قد يبدو استمرار الحرب في أوكرانيا متناقضا مع مصلحة روسيا في التوصل إلى تسوية سياسية. غير أن قراءة الموقف الروسي من منظور “الأمن القومي” تكشف عن حسابات مختلفة، فموسكو لا ترى في وقف إطلاق النار مدخلا مضمونا لإنهاء الحرب، بل تخشى أن يتحول، في غياب اتفاق سياسي وأمني ملزم، إلى مجرد “استراحة عسكرية” تستغلها كييف لإعادة بناء قواتها وتسليحها وتدريبها، قبل استئناف القتال بشروط أكثر ملاءمة لها.
من وجهة النظر الروسية، لم تعد الحرب مواجهة محصورة مع أوكرانيا، بل تحولت إلى صراع مفتوح مع منظومة أمنية-عسكرية غربية، ترى موسكو أنها استطاعت الاقتراب تدريجيا من حدودها، وأنها تهدد مجالها الحيوي.. ومن هنا، يمكن فهم رفض روسيا التعامل مع وقف إطلاق النار باعتباره نهاية للحرب، ما لم يترافق مع تسوية تعالج الأسباب الأمنية والسياسية التي تعتبرها أساسا للصراع.
المعضلة الأساسية بالنسبة إلى موسكو، هي السؤال الذي لا تجد له إجابة مطمئنة: ماذا سيحدث بعد وقف القتال؟ هذا السؤال ليس افتراضا مجردا، لأن النقاش الغربي نفسه حول مرحلة “ما بعد الحرب”، يتضمن تصورا لإبقاء القوات المسلحة الأوكرانية في موقع “خط الدفاع الأول”، بعد أي اتفاق سلام أو وقف طويل لإطلاق النار، إلى جانب ترتيبات أمنية ودعم عسكري غربي.
تزداد هذه المخاوف عندما نتذكر أن مستقبل أوكرانيا الأمني ارتبط، طوال السنوات الماضية، بعلاقتها مع “حلف شمال الأطلسي” (الناتو). وحتى عندما لم تحصل كييف على عضوية فعلية في الحلف، جرى التأكيد غربيا على أن مستقبلها يمكن أن يكون داخله، كما قدمت لها ضمانات وترتيبات أمنية طويلة الأمد.
المفارقة الكبرى تكمن في أن موسكو لا تحتاج إلى اختراع سيناريوهات عن المستقبل الأوروبي. فالقادة الأوروبيون أنفسهم يتحدثون عن ضرورة الاستعداد العسكري. ففي يونيو/حزيران الماضي، دعا المجلس الأوروبي إلى رفع جاهزية الدفاع الأوروبية بصورة حاسمة بحلول عام 2030، مشيرا إلى ما وصفه بالتهديدات الأمنية الخطيرة والتحديات التي تواجه أوروبا.
وعليه، فإذا كانت أوروبا تعلن صراحة، عند كل محطة سياسية، أنها تريد أن تكون “جاهزة عسكريا” بحلول عام 2030، وإذا استمر تدفق الأسلحة والتكنولوجيا والتدريب إلى أوكرانيا، فلماذا تفترض موسكو أن السنوات المقبلة ستكون سنوات سلام؟
كما أن أوروبا، التي تعلن دوما أنها ستعيد بناء قدراتها العسكرية خلال السنوات المقبلة، تفتح المجال بذلك أمام موسكو لتتيقن أن أفضل وسيلة لمنع نشوء جبهة أوروبية جديدة هي إضعاف القدرة العسكرية الأوكرانية التي يمكن أن تتحول إلى “رأس حربة” في أي مواجهة مستقبلية… وهنا تكمن المعضلة.
موسكو تعترف بأن طبيعة الحرب قد تغيرت خلال السنوات الماضية، ولم تعد المواجهة محصورة في خطوط الجبهة التقليدية، وإنما أصبحت تشمل الطائرات المسيرة، والضربات بعيدة المدى، واستهداف البنية التحتية، وكذلك العمليات التي تصل إلى عمق الأراضي الروسية.
خلال هذا الشهر، شهدت المواجهة بين الطرفين تصعيدا متبادلا طال منشآت وموانئ ومراكز إستراتيجية في البحر الأسود. وأعلنت روسيا عن ضرب أهداف في أوديسا وتشورنومورسك، وقالت إنها مرتبطة بالإمدادات العسكرية، بينما نفذت أوكرانيا، بدورها، هجمات على منشآت ومواقع روسية في البحر الأسود.
تخشى روسيا، وفق هذا المنظور، أن يتحول جزء من هذه التشكيلات، بعد انتهاء الحرب، إلى مجموعات مسلحة تعمل خارج السيطرة المركزية، الأمر الذي قد يحول الصراع من حرب بين دولتين إلى تهديد أمني طويل الأمد يستهدف المصالح والمنشآت الروسية.. وهذا تحديدا ما يجعل موسكو أكثر تشددا في البحث عن “اتفاق شامل”، وليس عن وقف مؤقت لإطلاق النار.
أما إذا استمرت الحرب بالطريقة الحالية، فمن الممكن أن تتغير قائمة الأهداف العسكرية الروسية وفقا لتطور المعركة. حينها، قد تبرز أهداف أوكرانية أكثر إيلاما، مثل مدينة أوديسا، باعتبارها واحدة من أهم النقاط الإستراتيجية على البحر الأسود.
المدينة ليست مركزا سكانيا-اقتصاديا فحسب، بل هي شريان التجارة والإمدادات. فإذا رأت القيادة الروسية أن الموانئ الجنوبية أصبحت جزءا من منظومة الإمداد العسكري، فقد تصبح السيطرة على أوديسا، أو تحييد دورها العسكري واللوجيستي، هدفا أكثر أهمية في المرحلة المقبلة. وهنا تحديدا يمكن أن تتبدل أهداف العملية العسكرية الروسية من عملية تحسين المواقع على خطوط التماس إلى إعادة تشكيل البيئة الإستراتيجية المحيطة بأوكرانيا.
وفق الرواية الروسية، فإن الأزمة، حتى الآن، ليست مشروعا لخوض حرب طويلة مع أوكرانيا أو حتى مع أوروبا، وإنما محاولة لمنع انتقال البنية الأمنية والعسكرية الغربية إلى منطقة تعتبرها موسكو جزءا من مجال أمنها القومي المباشر. قد يرفض الغرب هذه القراءة، وقد تقدم كييف تفسيرا مختلفا جذريا للأحداث، لكن تجاهل الحسابات الروسية، حتما، لن يصب في صالح السلام.
أما المشكلة الكبرى فتكمن في استمرار الغرب في إرسال الأسلحة إلى أوكرانيا، بالتزامن مع إعادة تسليح أوروبا والاستعداد العسكري المعلن حتى عام 2030، اللذين سيقرآن في موسكو على أنهما دليل على صراع مستدام. وعندها، سوف يصبح وقف الحرب من دون معالجة جذور الأزمة أقل جاذبية من استمرار العمليات حتى الوصول إلى وضع أمني تعتبره موسكو أكثر ضمانا.
إذا كانت موسكو مقتنعة بأن المواجهة الكبرى قد تأتي لاحقا، فقد ترى أن استمرار الضغط العسكري اليوم سيكون أكثر أمانا لها من الدخول في هدنة تمنح خصمها الوقت لإعادة تنظيم صفوفه. لكن المفارقة الكبرى في الأزمة الأوكرانية هي أن كل طرف يقول إنه يتحرك دفاعا عن أمنه.
روسيا تقول إن توسع المنظومة العسكرية الغربية نحو حدودها يهدد أمنها القومي، وأوروبا تقول إن روسيا تمثل تهديدا لأمنها وتحتاج إلى الاستعداد العسكري، بينما أوكرانيا ترى أن استمرار الدعم الغربي هو الضمان الأساسي لبقائها… وهكذا تصبح الحرب دائرة “مقفلة الأفق”.
ولكل هذا، فإن القول إن موسكو “لا تريد وقف الحرب” قد يكون توصيفا ناقصا، بينما الأدق هو أن موسكو لا تريد وقفا مؤقتا يعيد إنتاج الظروف التي أدت إلى الحرب أصلا. أما السؤال الأصعب فهو: هل تستطيع أوروبا وروسيا الاستمرار في الاقتراب من حافة المواجهة من دون أن تسقطا فيها؟