منذ أكثر من أربع سنوات، وبرغم حجم الدعم العسكري والمالي والاستخباراتي غير المسبوق الذي تتلقاه أوكرانيا من الولايات المتحدة ودول حلف شمال الأطلسي (الناتو)، تجنبت موسكو، الانزلاق إلى استهداف أراضي أو مصالح الدول الداعمة لكييف بصورة مباشرة. اكتفت روسيا باعتبار تلك الدول أطرافاً منخرطة في الحرب، من دون أن تترجم هذا الاتهام إلى عمليات عسكرية ضدها.
اليوم، يبدو أنّ الرئيس الأوكراني فلاديمير زيلينسكي يسلك اتجاهاً مختلفاً، فبعد سلسلة الانتكاسات الميدانية التي مُنيت بها القوات الأوكرانية، وتراجع قدرتها على الاحتفاظ بمواقعها على أكثر من محور، تتحدث كييف عن استراتيجية جديدة هدفها نقل المعركة إلى العمق الروسي خلال فترة تمتد لأربعين يوماً، في محاولة لتعويض الخسائر العسكرية وإرباك موسكو بعيداً عن خطوط الجبهة.
غير أنّ الأخطر في هذه المقاربة لم يكن توسيع نطاق الضربات داخل الأراضي الروسية فحسب، بل انتقالها إلى استهداف ما تعتبره كييف دولاً “داعمة للمجهود الحربي الروسي”. وفي هذا السياق جاءت حادثة استهداف سفينة إيرانية، تحت مبرر أنّ طهران توّفر لروسيا دعماً عسكرياً ولوجستياً.
هذه الخطوة تمثل “سابقة لافتة” في مسار الحرب، لأنّها قد تؤسس لمنطق جديد يقوم على اعتبار الدول الداعمة للخصم أهدافاً مشروعة أيضاً. فإذا كان هذا المنطق مقبولاً بالنسبة إلى كييف، فإنّه يفتح الباب أمام سؤال أكثر خطورة: ما الذي يمنع موسكو من اعتماد القاعدة نفسها؟
الكرملين يستطيع، بالاستناد إلى المنطق ذاته، أن يعتبر الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وبولندا وغيرها من الدول الغربية أهدافاً مشروعة، بحجّة أنّها زودت أوكرانيا بالأسلحة والصواريخ والدبابات وأنظمة الدفاع الجوي، وقدمت لها المعلومات الاستخباراتية والتمويل والتدريب. بل أنّ حجم هذا الدعم يفوق بأضعاف ما تتهم به روسيا إيران.
حتى الآن، امتنعت موسكو عن الذهاب إلى هذا الخيار، إدراكاً منها أنّ استهداف دولة عضو في “الناتو” قد يحوّل الحرب الأوكرانية إلى مواجهة عالمية مفتوحة، لكن تكريس أوكرانيا لهذا المنطق قد يبدل قواعد الاشتباك التي حافظت، رغم قسوة الحرب، على خطوط حمر معينة طوال السنوات الماضية.
صحيح أنّ روسيا وإيران ترتبطان بشراكة عسكرية، وأنّ كييف تعتبر طهران شريكاً مباشراً في الحرب، إلّا أنّ تحويل هذه القناعة إلى مبرّر لاستهداف مصالح إيرانية يطرح إشكالية قانونية وسياسية كبيرة، لأنّه يوسع دائرة الحرب خارج طرفيها الأساسيين، ويمنح الآخرين الذريعة نفسها لتبرير خطوات مماثلة.
ولكل هذا، قد تكون ضربة السفينة الإيرانية بداية لمرحلة جديدة أكثر خطورة، تنتقل فيها الحرب من استهداف الجيوش إلى استهداف الدول الداعمة لها. وإذا ترسخ هذا النهج، فإنّ أخطر ما فيه السابقة التي أرستها، وما قد تمنحه لموسكو من مبررات لاعتماد المنطق ذاته في مواجهة داعمي أوكرانيا.