قد تكون الضربات الأوكرانية الأخيرة قد نجحت في تعطيل جزء بسيط من قدرات التكرير الروسية. وربما استطاعت العقوبات الغربية أن تضيق هوامش الحركة أمام شركات النفط والمصارف وناقلات الخام، لكن ما لم ينجح فيه الغرب، حتى اللحظة، هو منع روسيا من إيجاد أسواق جديدة قادرة على استيعاب إنتاجها النفطي.
خلال يوليو/تموز الفائت، ارتفعت واردات الهند من النفط الروسي إلى نحو 2.8 مليون برميل يوميا، بعد أن كانت بحدود 2.7 مليون برميل في يونيو/حزيران، وذلك وفق أرقام نقلتها صحف هندية. وبذلك ارتفعت حصة الخام الروسي إلى نحو 55.5% من مجمل الواردات النفطية الهندية.
هذا الرقم قد لا يعبر عن زيادة تجارية بين البلدين فقط، لكنه يكشف عن تحول أعمق في سوق الطاقة العالمية. فقد وجدت روسيا في الهند منفذا شبه دائم لنفطها، فيما وجدت نيودلهي في موسكو موردا رخيصا وكبيرا، والأهم أنه أكثر أمنا في زمن تعاني فيه طرق الشحن التقليدية من الاضطراب.
هرمز يرفع قيمة النفط الروسي
في الواقع، تستورد الهند أكثر من خمسة ملايين برميل يوميا. وكانت دول الخليج، تاريخيا، المصدر الطبيعي للقسم الأكبر من تلك الاحتياجات. لكن التصعيد في الشرق الأوسط، والمخاطر المرتبطة بمضيق هرمز، وباب المندب، والبحر الأحمر، رفعت قيمة البدائل التي لا تمر بهذه المسارات.
ومن هنا يمكن فهم كلام وزير الخارجية الهندي سوبرامانيام جايشانكار، عندما وصف روسيا بأنها “مورد موثوق”، مشددا على أن الاعتبار الأساسي لبلاده يبقى توافر الخام وكلفته.
وبالنسبة إلى الهند، لم يعد النفط الروسي مجرد “نفط مخفض السعر”، بل أصبح جزءا من إستراتيجية أمن الطاقة الهندي. أما بالنسبة إلى روسيا، فقد جاءت الأزمة في توقيت مثالي تقريبا، إذ سمحت لها ببيع كميات إضافية من الخام، من دون الاضطرار إلى تقديم الخصومات الكبيرة التي فرضتها الأسواق خلال مراحل سابقة.
أوكرانيا تضرب.. والهند تستوعب
المفارقة الطريفة في كل هذا أن جزءا من زيادة الصادرات الروسية يعود إلى الضربات الأوكرانية. فقد أدى استهداف المصافي الروسية إلى خفض قدرات التكرير، وأخرج بعض المنشآت من الخدمة، أو أجبرها على العمل بطاقة محدودة. وكانت النتيجة فائضا من الخام لم يعد بالإمكان تكريره داخليا بالكميات السابقة، وهنا تحديدا دخلت الهند.
فبدلا من خفض الإنتاج، أو تخزين النفط، أو بيعه بحسومات كبيرة، استطاعت روسيا تحويل جزء من هذه الكميات باتجاه السوق الهندية. ووفق تقديرات نقلتها وكالة “رويترز”، فإن موسكو تتجه كذلك إلى زيادة صادرات موانئها الغربية، مع بقاء الطلب الآسيوي قويا.
والأكثر دلالة على أن العلاقة أخذت شكلا “دائريا” لافتا هو الآتي: روسيا تبيع الخام إلى الهند، والمصافي الهندية تحوله إلى مشتقات نفطية، ثم تشتري موسكو جزءا منها لتعويض النقص الناتج عن تراجع عمل بعض مصافيها. أي إن الهند تحولت من مشتر للخام الروسي إلى جزء من المنظومة النفطية الروسية.
المليارات تغذي الخزينة الروسية
إذا قدرنا 2.8 مليون برميل يوميا خلال يوليو/تموز، فهذا يعني أن الهند استوعبت نحو 87 مليون برميل روسي خلال شهر واحد تقريبا. وبحسب مستوى الأسعار والخصومات، فإن القيمة التجارية لهذه الكميات قد تصل إلى ما بين 6 و7 مليارات دولار خلال شهر واحد.
وهنا نشير إلى أن المكسب الأهم لا يكمن فقط في حجم المبيعات.
فمع ارتفاع الطلب الهندي، تقلصت الخصومات على خام “الأورال” الروسي بصورة كبيرة، مما يعني أن موسكو باتت تبيع كميات أكبر، وبسعر أفضل في الوقت نفسه. وهنا تحديدا تظهر المشكلة بالنسبة إلى سياسة العقوبات الغربية.
لقد نجح الغرب في تقليص اعتماده المباشر على النفط الروسي، خصوصا في القارة الأوروبية، لكنه لم ينجح في إخراجه من السوق العالمية. وما حصل عمليا مع روسيا هو تغيير الزبون، ومسار الناقلة، وطريقة الدفع.
فبدلا من أوروبا، أصبحت الهند والصين السوقين الأكثر أهمية لموسكو. وبدل أن تؤدي الضغوط إلى خنق صادرات النفط الروسية، ساهم اضطراب الشرق الأوسط، والحاجة الهندية إلى تأمين الإمدادات، في منح موسكو منفذا إضافيا حافظت من خلاله على تدفق عائداتها النفطية، بل وعززت موقعها في أسواق الطاقة الآسيوية.