قبل أربعة أعوام، كان المعيار الأوكراني للسلام هو انسحاب القوات الروسية، واستعادة السيطرة على كامل الأراضي ضمن حدود 1991، بما فيها شبه جزيرة القرم. أمّا المفاوضات التي أعادتها واشنطن إلى الواجهة في الأيام الماضية، فتدور حول خطوط التماس الحالية، ومستقبل دونباس، والضمانات الأمنية التي يمكن أن تحصل عليها أوكرانيا ضمن تسوية تنهي الحرب.
هذه المسافة بين الهدف والواقع باتت أحد أوضح مقاييس ميزان القوة، بعد 4 أعوام ونصف من القتال.
المبعوثان الأميركيان، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، حملا خلال نهاية الأسبوع مقترحات جديدة بين موسكو وكييف، فالتقيا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لأكثر من 3 ساعات السبت الماضي، وانتقلا في اليوم التالي إلى كييف للقاء الرئيس فلاديمير زيلينسكي. من دون تحقيق اختراق، وصف زيلينسكي بعض الأفكار الأميركية بأنها “جديرة بالاهتمام”، وأكد استعداد بلاده لمواصلة العمل عليها وإحياء المسار التفاوضي.
من استعادة كل الأرض إلى تثبيت الخطوط
في أيلول (سبتمبر) 2023، كان زيلينسكي يشرح “صيغة السلام” الأوكرانية أمام مجلس الأمن بالمطالبة بانسحاب كامل للقوات الروسية من الأراضي الأوكرانية ضمن الحدود المعترف بها دولياً للعام 1991، مع استعادة السيطرة على كامل الحدود. وبحلول 2026، أصبح الخطاب مختلفاً. ففي شباط (فبراير) الفائت، قال زيلينسكي إنّ تثبيت القوات عند خطوط التماس في دونباس قد يحظى بتأييد الأوكرانيين في استفتاء، مع رفضه انسحاباً أحادياً من الأراضي التي لا تزال كييف تسيطر عليها. وكان قد وصف صيغة “نبقى حيث نحن” بأنّها النموذج الأكثر واقعية لوقف النار.
وهكذا انتقلت أوكرانيا من اشتراط خروج روسيا من القرم ودونباس، إلى مناقشة وقف الحرب. فيما تسيطر موسكو على نحو خمس الأراضي الأوكرانية وتواصل الضغط باتجاه حزام المدن المحصنة في دونيتسك. وتشير أحدث المعطيات إلى أن القوات الروسية أصبحت على مسافة نحو 15 كيلومتراً من بعض المواقع في محور سلوفيانسك وكراماتورسك، في وقت تواجه كييف نقصاً في القوى البشرية وصعوبات في التجنيد والذخائر والدفاع الجوي.
وتمنح قدرة موسكو على تعويض خسائرها ومواصلة الضغط على محاور رئيسية أفضلية متزايدة في حرب الاستنزاف، خصوصاً مع ارتفاع كلفة المحافظة على الجبهة بالنسبة إلى أوكرانيا. وتنتقل هذه الأفضلية من الميدان مباشرة إلى طاولة المفاوضات.
موسكو تفرض إيقاع التفاوض
منذ حزيران (يونيو) 2024، وضع بوتين شروطاً تشمل انسحاب أوكرانيا الكامل من دونيتسك ولوغانسك وزابوريجيا وخيرسون، والتخلي عن مسعى الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو)، إضافة إلى رفع العقوبات الغربية ضمن التسوية.
وعشية الجولة الأميركية الأخيرة، أكد الكرملين تمسكه بهذا الإطار. وفي لقائه ويتكوف وكوشنر، شدّد بوتين على ما تسميه موسكو معالجة “الأسباب الجذرية” للحرب، وأبلغ المبعوثين بأنّ روسيا ترى أنّها تحقق تقدماً ميدانياً وقادرة على بلوغ أهدافها.
ويظهر رفع السقف الروسي في تمسك موسكو بكامل المناطق التي أعلنت ضمها، فيما تتركز مطالب كييف بصورة متزايدة على وقف الحرب والحصول على ضمانات أمنية. وفي آذار (مارس) الفائت أيضاً، كشف زيلينسكي أنّ واشنطن ربطت استكمال الضمانات الأمنية الأميركية باستعداد أوكرانيا للانسحاب من دونباس. رفض الرئيس الأوكراني الفكرة، لكنّه أقر بأنّ هذه هي المعادلة التي تحاول واشنطن بلورتها بين الطرفين.
وتجاوز التغيير حدود الموقف الأوكراني إلى المقاربة الأميركية نفسها. ففي اتصال ترامب – بوتين الثلاثاء، تحدث الكرملين عن أنّ إنهاء الحرب سيفتح الباب أمام استعادة واسعة للعلاقات الأميركية – الروسية، وخصوصاً الاقتصادية والتجارية. وبذلك باتت موسكو تناقش مع واشنطن شكل العلاقة التي يمكن أن تلي الحرب، فيما تتركز محادثات كييف معها على الضمانات الأمنية وشروط التسوية.
حرب النفس الأطول
عززت روسيا قدرتها على خوض حرب طويلة عبر توجيه موارد واسعة إلى المجهود العسكري وتوسيع قاعدة الإنتاج الدفاعي، إذ بلغ إنفاقها العسكري نحو 7.5 في المئة من الناتج المحلي في 2025. كما تمنحها قاعدتها الصناعية والبشرية الأوسع قدرة أكبر على تعويض الخسائر والحفاظ على وتيرة القتال، ما يوفر لموسكو مساحة زمنية يصعب على كييف مجاراتها.
وتكشف طبيعة الاحتياجات الأوكرانية حجم الضغط المقابل. ففي 8 أيلول، أعلنت كييف أنّها تتعاقد على نحو ألف صاروخ “باتريوت”، فيما لن يصل معظمها قبل سنوات، وطلبت ذخائر دفاع جوي عاجلة من مخزونات حلفائها، وكشفت عن فجوة تمويل تبلغ 27 مليار دولار في برنامج المسيّرات.
وبعد ساعات من مغادرة المبعوثين الأميركيين، استأنفت روسيا ضرباتها الواسعة على كييف ومناطق أخرى، بينما حذرت الخارجية الأوكرانية من انخفاض مخزون صواريخ اعتراض الصواريخ الباليستية إلى مستويات حرجة.
بعد أربعة أعوام ونصف، بات الفارق بين شروط البداية وشروط التفاوض أكثر وضوحاً. موسكو تتمسك بجوهر مطالبها وتراهن على استمرار الضغط العسكري، فيما انتقلت كييف من هدف استعادة حدود 1991 إلى البحث في خطوط التماس والضمانات الأمنية وشروط وقف الحرب. وهذه المسافة التي قطعتها أوكرانيا نزولاً في سقف أهدافها تمثل واحدة من أبرز نتائج حرب الاستنزاف لمصلحة روسيا.