كان من غير المألوف قبل أعوام قليلة أن تطلب مؤسسة أوروبية من مواطنيها التفكير في كمية الماء والطعام التي تكفيهم إذا تعطلت الحياة اليومية فجأة. ارتبط هذا النوع من الإرشادات بذاكرة الحرب الباردة أو ببلدان اعتادت الكوارث الطبيعية الكبرى. اليوم، بات الاتحاد الأوروبي يتحدث عن قدرة المواطن على تدبير حاجاته الأساسية لمدة ثلاثة أيام، فيما توصي السويد سكانها بالاستعداد لأسبوع كامل من دون مساعدة عامة إذا اقتضت الظروف ذلك.
في ألمانيا، عاد الحديث عن الملاجئ أيضا. خطة للدفاع المدني أقرتها برلين في مايو/أيار الماضي خصصت نحو 10 مليارات يورو (نحو 10.8 مليارات دولار) لتعزيز الحماية المدنية، مع دراسة استخدام مواقف السيارات تحت الأرض والأنفاق ومحطات المترو كملاجئ عند الضرورة. فالبلاد التي يزيد سكانها على 80 مليون نسمة لا تملك في ملاجئها القائمة أماكن سوى لنحو 480 ألف شخص.
أما فنلندا، حيث الاستعداد للحرب جزء أقدم من الثقافة الأمنية، فلديها أكثر من 50 ألف ملجأ تتسع لنحو 4.8 ملايين شخص. وفي السويد، وصلت إلى المنازل خلال السنوات الماضية كتيبات تحمل عنوانا يصعب فصله عن أجواء الزمن الجديد، هو “إذا وقعت أزمة أو حرب”، مع إرشادات تتناول الماء والغذاء والاتصالات، وحتى كيفية التعامل مع الهجمات الجوية والمعلومات المضللة. هذه التفاصيل الصغيرة تكشف تحولا أوسع في أوروبا.
منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، تغير قاموس القارة تدريجيا. كلمات مثل الملاجئ، والردع، والمخزون الإستراتيجي، والدفاع المدني، والجاهزية، والإنتاج العسكري، كانت قبل سنوات تدور أساسا في المؤسسات الأمنية. أما الآن، فتدخل إلى نشرات الأخبار والموازنات الحكومية والمناقشات البرلمانية، وحتى إلى الإرشادات الموجهة للعائلات. الحرب بعيدة جغرافيا عن مدريد وباريس وروما. لكن آثارها أصبحت أقرب بكثير.
قارة تعيد التفكير في الأمن
لوقت طويل بعد انتهاء الحرب الباردة، بدت أوروبا متجهة إلى نموذج مختلف عن القارات التي أنهكتها الصراعات. الحدود المفتوحة، واليورو، والسفر الرخيص، والتجارة، وسياسات المناخ، كانت العناوين الأبرز للمشروع الأوروبي. الجيش بقي شأنا ضروريا، لكنه نادرا ما كان يحتل قلب النقاش السياسي في معظم دول غرب القارة.
خلال سنوات قليلة تبدل المشهد. ففي قمة حلف شمال الأطلسي في أنقرة في يوليو/تموز الماضي، أعلن الحلف أن دوله الأوروبية وكندا رفعت استثماراتها في الاحتياجات الدفاعية الأساسية بأكثر من 139 مليار دولار خلال عام 2025، بزيادة قاربت 20 % خلال عام واحد. كما تعهد الحلفاء بتقديم 70 مليار يورو (نحو 75.6 مليار دولار) من المعدات والمساعدات والتدريب العسكري لأوكرانيا خلال عام 2026، والحفاظ على مستوى مماثل على الأقل في عام 2027.
ألمانيا تقدم ربما المثال الأوضح على حجم التحول. الدولة التي عاشت لعقود تحت قيود سياسية وتاريخية ثقيلة تجاه القوة العسكرية باتت تناقش إنفاقا دفاعيا وأمنيا بمئات المليارات. مشروع موازنة عام 2027 يرفع الإنفاق الدفاعي الألماني إلى 109 مليارات يورو (نحو 117.7 مليار دولار)، في وقت تدافع فيه الحكومة عن زيادة الاقتراض باعتبار الأمن أولوية يصعب تأجيلها.
المسألة تجاوزت إرسال ذخائر إلى أوكرانيا. أوروبا توسع مصانعها العسكرية، وتستثمر في الدفاع الجوي والمسيرات والتقنيات العسكرية، وتعزز البنية التحتية القادرة على تحريك القوات والوقود والمعدات عبر القارة.
بالنسبة إلى العواصم الأوروبية، يأتي هذا التحول نتيجة قراءة أمنية تقول إن البيئة التي عاشت فيها القارة منذ نهاية الحرب الباردة انتهت، والآن عليها الاستعداد لسنوات طويلة من عدم اليقين.
الخوف بعيد عن أن يكون إجماعا
ومع ذلك، سيكون من المبالغة تصوير أوروبا كقارة تعيش في هلع دائم. المقاهي مكتظة، والطائرات تعبر الحدود بلا توقف، والسائح الذي يمشي في برشلونة أو روما أو لشبونة لن يشعر بأنه يعيش في قارة تستعد للحرب. الحياة الأوروبية العادية مستمرة. لكن التحول بدا أوضح داخل المؤسسات منه في الشارع الأوروبي. الحرب دخلت المؤسسات أسرع من دخولها تفاصيل الحياة اليومية لمعظم الأوروبيين. تغيرت الموازنات، والخطط العسكرية، وإجراءات الطوارئ، وسياسات الطاقة، فيما بقيت الحياة المدنية في معظم القارة بعيدة عن مشاهد الحرب نفسها.
حتى الرأي العام يحمل هذه الازدواجية. استطلاع “يوروباروميتر” (Eurobarometer) في ربيع هذا العام أظهر أن 81 % من الأوروبيين يؤيدون سياسة دفاع وأمن مشتركة بين دول الاتحاد، وهي من أعلى النسب المسجلة، وأن 76 % يعتبرون الحرب في أوكرانيا تهديدا لأمن الاتحاد. في مقابل ذلك، تراجعت الحرب عن موقع القضية الأولى التي تشغل الأوروبيين على مستوى الاتحاد، إذ تقدمت عليها تطورات الشرق الأوسط والوضع الدولي الأوسع.
الحرب إذن موجودة في الوعي الأوروبي، لكنها تتنافس مع التضخم والهجرة والطاقة والوظائف والانتخابات وأزمات أخرى. وهذا ربما ما يجعل التحول الحالي أكثر أهمية. أوروبا لا تتحول إلى مجتمع حرب بالمعنى التقليدي، لكنها تبني قدرة كانت بعيدة عن أولوياتها لسنوات طويلة، وهي العيش في ظل احتمال ممتد للأزمات والمواجهة.
جيل كامل من الأوروبيين نشأ بعد سقوط جدار برلين وهو يسمع أن الحروب الكبرى في القارة أصبحت جزءا من التاريخ. جيل آخر يدخل اليوم الجامعات وأسواق العمل، بينما تتحدث حكوماته عن زيادة مصانع الذخيرة، وتجهيز الملاجئ، وتخزين الطعام والماء، ورفع الإنفاق العسكري لسنوات مقبلة.
قد تنتهي الحرب في أوكرانيا باتفاق، أو هدنة، أو تسوية لا تزال ملامحها غير واضحة. لكن بعض التحولات التي أحدثتها داخل أوروبا تبدو أبعد من أن تنتهي بانتهاء الحرب. في أوروبا التي دخلت القرن الحادي والعشرين وهي تتحدث كثيرا عن إزالة الحدود، أعادت الحرب الأمن إلى صدارة أولوياتها.