تدخل أوكرانيا الخريف بواحدة من أكثر مشكلات الحرب خطورة؛ الصواريخ الاعتراضية التي تحمي عاصمتها ومدناً أخرى من الصواريخ الباليستية الروسية تتراجع، فيما يواصل الجانب الروسي رفع إنتاجه من الصواريخ والمسيّرات الهجومية. أمّا الحل الذي روّجت له كييف خلال الصيف، أي تصنيع صواريخ “باتريوت” محلياً، فقد اصطدم بتراجع أمريكي واضح، بينما تبدو صفقة تقارب 1000 صاروخ جديدة أقرب إلى مخزون للمستقبل منها إلى جواب عن الأشهر المقبلة.
ألف صاروخ على الورق
الثلاثاء الماضي، أعلن وزير الدفاع الأوكراني يفهيني خمارا أن بلاده تعمل على التعاقد على نحو ألف صاروخ “باتريوت” بدعم من الحلفاء وقرض أوروبي. الرقم كبير، لكنّه يخفي المشكلة الأساسية؛ معظم هذه الصواريخ لن يصل قريباً، بل خلال السنوات المقبلة، ولذلك طلب خمارا من الدول الغربية إخراج مزيد من الصواريخ من مخزوناتها الحالية لتغطية الفجوة العاجلة.
وتحتاج أوكرانيا، وفق تقديرات طُرحت خلال اجتماع مجموعة الاتصال الدفاعية، إلى نحو 300 صاروخ اعتراضي قبل الشتاء. ألمانيا وعدت بإرسال صواريخ “PAC-2” من مخزونها، فيما خصصت بريطانيا 100 مليون جنيه إسترليني لحزمة دفاع جوي تشمل معدات أمريكية. لكن الصاروخ الأكثر أهمية في مواجهة “إسكندر” و”كينجال” والتهديدات الباليستية الأخرى يبقى “PAC-3″، وهو أيضاً الأكثر ضغطاً في سلسلة الإمداد.
وقبل ذلك، كانت إشارات النقص تتراكم. في أيار/مايو، وصف المتحدث باسم سلاح الجو الأوكراني بعض القواذف المخصصة للوحدات بأنها “نصف فارغة”، وقال إن كييف اضطرت أحياناً إلى طلب خمس أو عشر صواريخ فقط لمنظومات مثل “ناسامز” و”إيريس- تي”. أي أنّ أزمة الذخائر تشمل أكثر من منظومة دفاع جوي، فيما تبقى “باتريوت” الحلقة الأكثر حساسية لقدرتها على اعتراض الصواريخ الباليستية.
وظهرت الفجوة بصورة أوضح في نهاية شهر تموز/يوليو، عندما قال الرئيس فلاديمير زيلينسكي إنّ مخزون أوكرانيا من صواريخ “باتريوت” الاعتراضية نفد. وفي هجوم روسي ضم 35 صاروخاً، بينها 27 باليستية، أُعلن اعتراض صاروخ واحد فقط. وبعد أيام، أقر بأنّ ما تسلمته أوكرانيا من صواريخ الدفاع الجوي خلال 2026 يعادل نحو ثلث ما تلقته في 2025.
وعد ترامب يتبخر
في 8 تموز/يوليو، بدا أن كييف وجدت مخرجاً أطول أمداً. قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال لقائه زيلينسكي إنّ واشنطن ستمنح أوكرانيا “الحق في صنع باتريوت”، وأضاف أنّ واشنطن ستُري الأوكرانيين كيفية تصنيعها، وتحدث صراحة عن منح ترخيص للإنتاج. الرسالة كانت واضحة بما يكفي لكي يبدأ الجانب الأوكراني الحديث عن ترتيبات تقنية وإنتاج مشترك.
بعد 23 يوماً، تغيّر الكلام. خلال اجتماع للحكومة في كامب ديفيد، قال ترامب إنّ الولايات المتحدة “لم توافق على ذلك”، وإنّها لا تزال تناقش الأمر، واعتبر أنّ نقل هذه التكنولوجيا “أمر صعب” بسبب حساسيتها واحتمال وصولها مستقبلاً إلى جهات معادية. عملياً، انتقل المشروع من وعد رئاسي معلن إلى فكرة غير محسومة.
حتى إذا عادت واشنطن ومنحت الترخيص، فلن تحصل كييف على حلّ سريع. السفيرة الأوكرانية في الولايات المتحدة أولها ستيفانيشينا قالت إنّ إنشاء خط إنتاج محلي قد يحتاج إلى 5 سنوات. وهذا يتطابق مع واقع الصناعة الأمريكية نفسها. “لوكهيد مارتن” رفعت إنتاج “PAC-3 MSE” إلى نحو 600 صاروخ سنوياً، وتخطط للوصول إلى ألفي صاروخ سنوياً بحلول نهاية 2030. أما طلبيات أمريكية ضخمة جديدة، فيُتوقع أن تبدأ أجزاء منها بالتسليم في 2029.
وتزداد العقدة بسبب المنافسة على الصواريخ الأمريكية نفسها؛ الحرب مع إيران استهلكت جزءاً كبيراً من مخزون الولايات المتحدة من الصواريخ الاعتراضية. وقدّر “مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية” في أواخر تموز/يوليو أنّ مخزون “باتريوت” الأمريكي هبط إلى أقل من ألف صاروخ، بينما أفادت “رويترز” بأن تقدير استهلاك نحو 65 في المئة من المخزون بين شباط/فبراير وتموز/يوليو يتوافق مع بيانات أمريكية داخلية. لذلك أصبح أيّ صاروخ يُرسل إلى أوكرانيا جزءاً من مفاضلة أوسع بين أوروبا والشرق الأوسط واحتياجات الجيش الأمريكي نفسه، وهي مفاضلة تبدو أولويتها شبه محسومة في قاموس ترامب تحت شعار “أمريكا أولاً”.
سباق إنتاج يميل لموسكو
هذه الفجوة الزمنية هي جوهر المشكلة الأوكرانية. روسيا لا تنتظر خطوط إنتاج مستقبلية، ووفق بيانات الاستخبارات العسكرية الأوكرانية، باتت الصناعة الروسية قادرة على إنتاج أكثر من 200 صاروخ باليستي ومجنح شهرياً. وفي تموز وحده، أنتجت 65 صاروخا من “إسكندر- إم” و87 صاروخا من “Kh-101″، إضافة إلى نحو 50 صاروخاً لمنظومات “S-400” يمكن استخدام بعضها في الضربات الأرضية.
المسيّرات تضيف طبقة أخرى من الضغط. تقديرات أوكرانية في آب/ أغسطس تحدثت عن إنتاج نحو 2800 مسيّرة “غيران-2” شهرياً، إلى جانب توسع إنتاج النسخ النفاثة “غيران-4″ و”غيران-5”. وفي أيار/مايو، أطلقت روسيا أكثر من 8 آلاف مسيّرة من طرازات “شاهد” ومسيّرات خداعية، ما يفرض على الدفاعات الأوكرانية توزيع مواردها بين أهداف رخيصة وكثيفة وصواريخ أسرع وأكثر تعقيداً.
هذا الاختلال لا يعني أنّ كل صاروخ روسي يحتاج إلى “باتريوت”. أوكرانيا تستخدم مقاتلات و”ناسامز” و”إيريس- تي” ومدافع ومسيّرات اعتراضية وحرباً إلكترونية ضد جزء كبير من التهديدات. لكن الصواريخ الباليستية تظل نقطة الضعف، لأنّ الخيارات البديلة القادرة على إسقاطها محدودة جداً.
ومع اقتراب الشتاء، يصبح المعيار الفعلي لفاعلية “باتريوت” هو ما يتوافر من صواريخ داخل القواذف. فالتعاقد على ألف صاروخ أو احتمال نقل التصنيع إلى أوكرانيا لا يغيّران شيئاً في المدى القريب، فيما تواصل موسكو رفع وتيرة إنتاجها. ومع تأخر التسليمات واستنزاف المخزونات الغربية، يصبح كل هجوم روسي جديد استنزافاً لا تضمن كييف أن تجد له صاروخاً اعتراضياً في المرة التالية.