أقرّ مجلس الوزراء العراقي في جلسته الثانية والعشرين في 6 أكتوبر 2026 تعديل سعر الصرف، فحددت وزارة المالية سعر شراء الدولار بـ1500 دينار، وأعلن البنك المركزي سعر البيع للجمهور عند 1520 ديناراً بدلاً من 1320، في أول تعديل منذ أكثر من ثلاث سنوات. وكانت الحكومة قد نفت في يونيو الماضي أي نية لذلك. وتنطلق الورقة من سؤال محوري: هل هو قرار نقدي مستقل، أم إجراء مالي بغطاء نقدي؟ وتتدرج في الإجابة عنه عبر خلفية تاريخية موجزة، ثم تحليل دستوري ومالي وسياسي، وتنتهي بتوصيات عملية قابلة للتطبيق في موازنة 2027.
المنهج وحدوده
تعتمد الورقة المنهج التحليلي الوصفي، وتستند إلى نصوص الدستور وقانون البنك المركزي رقم 56 لسنة 2004، وإلى البيانات الرسمية المعلنة وتقارير صحفية موثوقة صدرت بين السادس والسابع من أكتوبر 2026. وتنبه الورقة إلى أن البيانات حديثة جداً وقابلة للتغير، وأن أرقام السوق الموازية تتفاوت بين بغداد وأربيل وتتحرك يومياً، وأن آثار القرار الكاملة لن تظهر قبل أشهر، ما يستوجب تحديث الاستنتاجات لاحقاً.
الخلفية التاريخية
تكشف الخلفية التاريخية نمطاً متكرراً. ففي ديسمبر 2020 رفع البنك المركزي السعر من 1190 إلى 1450 ديناراً بسبب عجز الحكومة عن تغطية نفقاتها، ثم أُعيد تعديله إلى 1300 في فبراير 2023 بعد أن ارتفع الدولار في السوق الموازية. وفي 2025 أُلغي نظام مزادات الدولار تحت ضغط أمريكي. ويعني ذلك أن سعر الصرف في العراق ظل متأثراً بثلاثة عوامل: العجز المالي، والضغوط الخارجية، وسوق موازية لا تهدأ.
البعد الدستوري
يجعل الدستور البنك المركزي مؤسسة مستقلة تخضع لرقابة مجلس النواب، ويمنحه قانونه استقلالاً في رسم سياسة الصرف. غير أن وثيقة البنك الأخيرة صيغت بوصفها تنفيذاً لقرار حكومي، بينما صادق مجلس الوزراء في فبراير 2023 على قرار صادر عن مجلس إدارة البنك. والفارق جوهري: ففي 2023 صادقت الحكومة على قرار نقدي، وفي 2026 أصدرت قراراً سياسياً نفذه المركزي. ويحتاج هذا التمييز إلى معيار: فكلما صدر التعديل عن جهة تملك أدوات السياسة النقدية وبناءً على اعتبارات الأسعار والاحتياطيات، اقترب من الاستقلال الذي أراده المشرّع، وكلما صدر استجابة لاحتياجات الموازنة، ابتعد عنه. كما كشفت اللجنة المالية النيابية قبل القرار بيوم عن مقترح لرفع السعر ضمن الموازنة، ما يعني أن السلطة التنفيذية حسمت بقرار إداري مسألة كان مجلس النواب يناقشها.
البعد المالي
السبب المعلن مالي: فقد عطلت الحرب على إيران مبيعات النفط، أكبر مصدر للإيرادات، فاختارت الحكومة رفع عائد كل دولار نفطي بالدينار. لكن النتيجة ليست استقراراً، إذ قاربت السوق الموازية بعد القرار مستوى 1800 دينار، أي أن السوق قرأ التعديل إشارة إلى مزيد من التخفيض. ويرتبط جذر الفجوة بإلغاء نظام مزادات الدولار في 2025، فنشأت سوق موازية لا يعالجها السعر وحده. وقد رافق القرار وقف العمل بقرار الاستيفاء المسبق للرسوم الجمركية رقم 413، تخفيفاً عن المستورد وسط ارتفاع كلفة الدولار.
قراءة في الأرقام
رفع القرار السعر الرسمي للجمهور بنحو 15 في المئة، من 1320 إلى 1520. وكانت السوق الموازية قد تجاوزت 1630 ديناراً قبيل القرار، أي بفجوة تفوق 23 في المئة عن السعر الرسمي آنذاك. وبعد القرار بلغت نحو 1780، فبقيت الفجوة قرابة 17 في المئة، أي أن التعديل لم يقلصها إلا قليلاً. ويعني هذا أن السعر الرسمي لم يعد مرساة للتوقعات، وأن الثقة بالمؤسسة النقدية هي المتغير الحاسم. ولتقريب الأثر إلى الواقع المعيشي: الراتب البالغ مليون دينار كان يعادل نحو 758 دولاراً بالسعر الرسمي السابق، وصار يعادل نحو 658 دولاراً بالسعر الجديد، أي بخسارة تقارب 13 في المئة من قوته الشرائية بالدولار، وذلك قبل احتساب موجة الغلاء المرتقبة في أسعار السلع المستوردة.
البعد السياسي والاجتماعي
أصابت الأسواق وشركات الصيرفة حالة شلل مع توقف البيع والشراء بسبب تذبذب الأسعار، وتراجعت قيمة رواتب الموظفين محسوبة بالدولار. وموظفو الدولة والمتقاعدون هم الشريحة التي تتحمل الكلفة، وهم في الوقت نفسه ركيزة الاستقرار السياسي في دولة ريعية. أما نفي الحكومة في يونيو ثم تنفيذها القرار في أكتوبر فيضعف مصداقية تطميناتها المقبلة، ويغذي المضاربة التي أرادت احتواءها، ويضع موازنة 2027 أمام اختبار نيابي عسير. وفي المحصلة يبدو أن القرار نُقل من ميدان الاقتصاد إلى ميدان الشرعية، لأن المواطن لا يحاسب الحكومة على نسبة التخفيض بل على قدرتها على حماية معيشته.
الخاتمة والتوصيات
خلصت الورقة إلى أن القرار يمكن تبريره مالياً تحت ضغط الصدمة النفطية، لكنه أضعف استقلال البنك المركزي، ولم يحسم الفجوة مع السوق الموازية، وحمّل أصحاب الدخل الثابت عبء العجز. وتوصي الورقة بثلاثة أمور: أولاً، تشريع السعر في قانون الموازنة بدل الاكتفاء بقرار تنفيذي، تحصيناً لاستقلال المركزي. ثانياً، ربط التخفيض بإصلاح جاد للإيرادات غير النفطية حتى لا يتكرر. ثالثاً، تعويض الشرائح ذات الدخل الثابت بزيادات أو دعم مباشر يعادل أثر الغلاء. وتبقى الإشكالية الكبرى أن الدولة التي تصحح عجزها بتخفيض عملتها تنقل الأزمة من خزينتها إلى جيب مواطنها. ويظل الحكم النهائي على القرار مرهوناً ببيانات الأشهر المقبلة.