لن تنتهي مسؤولية القيادة الأوكرانية بانتهاء الحرب. سيبقى عليها أن تجيب عن القرارات التي اتخذتها باسم مواطنيها طوال سنوات القتال. لكن قدرة الأوكرانيين على محاسبتها تتحدد منذ الآن، بما يبقى متاحا للصحفيين والمعارضين والمحققين من حرية الوصول إلى المعلومات ومراجعة قرارات السلطة.
الانتخابات المقبلة، مهما تأخرت، ستجري في بيئة سياسية تتشكل اليوم. ولهذا، يستحق حكم فولوديمير زيلينسكي نقاشا يتجاوز موعد انتهاء ولايته. فتعذر إجراء الانتخابات أثناء الحرب لا يلغي مسؤولية الرئيس أمام المواطنين، ولا يحول التفويض الذي حصل عليه عام 2019 إلى موافقة مسبقة على جميع قراراته. وحين يطول الاستثناء، تصبح الرقابة على استخدام الصلاحيات أهم من الوعود بالتخلي عنها لاحقا.
من يراقب الحكم في غياب الانتخابات؟
تأجلت الانتخابات البرلمانية المقررة عام 2023 والرئاسية المقررة عام 2024 تحت الأحكام العرفية. ويمنع القانون الأوكراني إجراء الاقتراع أثناء سريانها، فيما يفرض القتال والنزوح واللجوء عقبات حقيقية أمام تأمين مشاركة المواطنين وسلامتهم.
لكن الاعتراف بأسباب التأجيل يفتح نقاشا أكثر إلحاحا: كيف يحاسب المسؤول الذي يتعذر تغييره بالانتخابات؟ يفترض أن تتولى هذه المهمة مؤسسات تعمل باستقلال عنه، من برلمان يدقق في قراراته، وقضاء ينظر في التجاوزات، وإعلام يكشف ما تسعى الحكومة إلى إخفائه. إضعاف أي منها يحرم المواطن وسيلة للمحاسبة في الوقت الذي غابت فيه وسيلته الانتخابية.
ويرصد تقرير “فريدوم هاوس” لعام 2026 أفضلية ممثلي الحزب الحاكم في أوكرانيا في البث الإخباري التلفزيوني الموحد، بما يحد من ظهور المعارضة. ويوثق تراجع الشفافية وإغلاق اجتماعات اللجان البرلمانية أمام الجمهور. وتبقى للمعارضين وسائل أخرى للوصول إلى الناس، لكن وجودها لا يلغي التفاوت في الوصول إلى الشاشة والمعلومات.
لهذا أيضا، لا تبدأ عدالة الانتخابات يوم فتح الصناديق. تسبقها سنوات يبني فيها السياسيون حضورهم، ويطلع خلالها الناخبون على أدائهم ومواقفهم. وإذا استمرت المنافسة بشروط غير متكافئة، فلن يكفي إعلان موعد للاقتراع لمحو آثارها.
الرقابة حين تقترب من الرئاسة
وسبق أن ظهر الخطر بوضوح في يوليو/تموز 2025. يومها، أقر البرلمان ووقع زيلينسكي قانونا يقوض استقلال المكتب الوطني لمكافحة الفساد والنيابة العامة المتخصصة، ويخضعهما لسلطات المدعي العام. وبعد احتجاجات وضغوط أوروبية، تراجعت القيادة، وأقر البرلمان إعادة استقلال المؤسستين بأصوات 331 نائبا.
أثبت التراجع أن الاعتراض قادر على تغيير القرار حتى أثناء الحرب. لكنه كشف أيضا سهولة المساس باستقلال جهات يفترض أن تحقق مع أصحاب النفوذ. فقد مر القانون عبر البرلمان والرئاسة، واحتاج تصحيحه إلى تحرك الشارع والشركاء الأوروبيين. وفي بلد تتحمل فيه الأسر أعباء القتال والنزوح، تصبح حماية المؤسسات عبئا إضافيا حين يتعين الدفاع عنها بالتظاهر.
وتثير العقوبات على منتقدي الرئيس أسئلة مشابهة. ففي 13 سبتمبر/أيلول 2026، شمل قرار عقوبات لعشر سنوات يوليا ميندل، المتحدثة السابقة باسم زيلينسكي التي تحولت إلى منتقدة له. اتهمتها السلطات، ضمن مجموعة شملها القرار، بنشر الدعاية الروسية ودعم الموقف الروسي العدواني. وتضمنت الإجراءات تجميد أصول وقيودا تجارية، فيما وصفت ميندل القرار بأنه غير دستوري وذو دوافع سياسية.
تحتاج هذه الاتهامات إلى أدلة، ويجب أن تتاح للمستهدفين بها فرصة الدفاع عن أنفسهم والطعن في العقوبات أمام جهة مستقلة تستطيع إلغاءها إذا ثبت التعسف. فالسلطة التي توجه الاتهام وتفرض العقوبة لا يصح أن تنفرد بالحكم على مشروعية قرارها.
وقد تدفع معاقبة أحد المنتقدين سواه إلى الصمت. فالصحفي الذي يفكر في نشر تحقيق، والموظف السابق الذي يملك معلومات عن تجاوزات، قد يتراجعان خشية اتهامهما بخدمة العدو. عندها يكفي الخوف من العقوبة لتقييد النقد، من دون حاجة إلى منعه رسميا.
هنا تبرز مسؤولية الشركاء الأوروبيين. خلال أزمة مكافحة الفساد، ضغطوا لحماية استقلال المؤسستين وربطوه بمسار انضمام أوكرانيا إلى الاتحاد. وكان لذلك دور في التراجع. لكن استمرار الرقابة لا يصح أن يعتمد على مقدار استعداد الحلفاء للاعتراض، فقد تتغير أولوياتهم، أو يتقدم حرصهم على استقرار القيادة على مطالبتها بالإصلاح.
يحتاج الأوكرانيون إلى ضمانات تحمي استقلال مؤسسات الرقابة حتى حين يصمت الشركاء. فالمشروع الأوروبي الذي تتبناه قيادتهم يقتضي قبول مؤسسات تستطيع رد قراراتها والتحقيق مع المقربين منها، وحماية معارضين يسعون إلى إزاحتها بالوسائل السياسية.