شكل انقضاء شهر أيلول 2026 المحطة الختامية للتكييف القانوني للوجود العسكري الأميركي الغربي في العراق. إذ أُسدل الستار رسمياً على تفويض التحالف الدولي لمحاربة داعش المنبثق عن رسالة حكومة حيدر العبادي إلى مجلس الأمن الدولي عام 2014 (الوثيقة S/2014/691). وبإعلان انتهاء المرحلة الثانية من خارطة طريق اللجنة العسكرية العليا المشتركة (HMC)، والتي شملت إخلاء المواقع الفيدرالية في عين الأسد وبغداد وصولاً إلى تفكیک القيادة المشتركة في إقليم كردستان.
حاولت السلطات في بغداد تقديم المشهد كاستعادة ناجزة للسيادة الوطنية، غير أن التدقيق الميداني والتشريعي يثبت أن ما تحقق لم يكن انسحاباً عسكرياً بل عملية تموضع قانوني معقد استبدلت المظلة الدولية الجماعية بمنظومة شراكة أمنية ثنائية صلبة، أمنت إعادة تموضع الجيش الأميركي بصفات استشارية واستخباراتية مستحدثة تحمي مصالح واشنطن الجيواقتصادية في بلاد الرافدين.
تجلت المناورة القانونية الأبرز في تجاوز العقبة التشريعية داخل بغداد، فالمادة 61 (رابعاً) من الدستور العراقي لعام 2005 تلزم السلطة التنفيذية بالحصول على موافقة ثلثي أعضاء مجلس النواب لتمرير أي معاهدة دولية، وهو نصاب يستحيل تحقيقه في ظل هيمنة قوى الإطار التنسيقي والفصائل المسلحة الرافضة لأي اتفاقية وضع قوات (SOFA) صريحة. لتفادي هذا المأزق لجأت الحكومة العراقية وواشنطن إلى الالتفاف عبر مذكرات تفاهم إدارية وتبادل رسائل دبلوماسية تنفيذية تستند إلى إعادة تفعيل بنود التعاون الأمني في اتفاق الإطار الاستراتيجي لعام 2008.
هذا المخرج كفل نقل القوات الأميركية لتخدم تحت لافتة مكتب التعاون الأمني المشترك (OSC-I) الملحق بالسفارة الأميركية، مانحاً الجنود والمستشارين حصانات وظيفية من الولاية القضائية العراقية، ومكرساً استمرار العمليات دون حاجة إلى تصويت برلماني محفوف بالمخاطر.
هذا التحول الإجرائي أوقع طهران ومحورها في مأزق استراتيجي مركب فالجمهورية الإسلامية، التي تبنت عقيدة إخراج القوات الأميركية من غرب آسيا كهدف غير قابل للتفاوض منذ عام 2020، وجدت نفسها مجردة من الذريعة القانونية التي كانت تبرر هجمات الفصائل المسلحة تحت راية مقاومة الاحتلال غير الشرعي. فأي استهداف عسكري للقوات الأميركية في طورها الجديد بات يصنف قانونياً كاعتداء مباشر على اتفاقيات الدولة العراقية، مما يحرج حكومة بغداد الحليفة لطهران ويضع الفصائل في صدام مع مؤسساتها. يضاف إلى ذلك أن واشنطن أحكمت عبر هذا التموضع إغلاق الممر البري (طهران – بغداد – دمشق – بيروت) فالترتيبات الثنائية في قاعدة الحرير في أربيل ضمنت استمرار شريان الإمداد اللوجستي لقواعد شرق الفرات السورية وحامية التنف، في حين ظلت عائدات النفط العراقي محاصرة في بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، لتشكل منصة تدقيق الدولار سلاحاً مالياً يمنع النظام السياسي في بغداد من كسر الطوق الأمني الأميركي خشية الانهيار الاقتصادي.
في قلب هذا المشهد المتشابك، جاءت تصريحات قيادة إقليم كردستان (رئيس حزب الديمقراطي الكردستاني و رئيس حكومة اقليم كردستان)مشحونة بنبرة قلق وجودي غير معتادة. فالأمر بالنسبة لأربيل لا يرتبط بمجرد تغيير لافتات عسكرية، بل بالخوف من تكرار صدمة تشرين الأول/أكتوبر 2017، حين وقفت واشنطن على الحياد وتركت القوات الاتحادية تقتحم كركوك وتنتزع حقول نفطها بعد استفتاء الاستقلال.
يدرك بارزاني أن إنهاء المظلة الدولية متعددة الجنسيات يسقط الفيتو الأمني غير المعلن الذي كان يحمي الإقليم من الهجوم القضائي والسياسي المركز الذي تقوده بغداد عبر قرارات المحكمة الاتحادية العليا، والتي جردت كردستان من تصدير نفطه المستقل عبر ميناء جيهان التركي وقلصت استقلاله المالي.
يتعاظم القلق الكردي أمام هشاشة دفاعات الإقليم الجوية إذ تدرك القيادة الكردية أن الشراكة الثنائية تكرس حماية المنشآت العسكرية الأميركية دون أن تمتد لتوفير مظلة ردع حقيقية لمواطني الإقليم أو لمنشآت الطاقة الحيوية، ولاسيما حقل غاز كور مور (الذي تديره شركة دانة غاز) المهدد باستمرار بضربات المسيرات الموالية لإيران بهدف إفشال أي استقلال طاقوي عن طهران.
يضاف إلى هذا التعقيد استمرار الانقسام الداخلي الكردي الحاد بين أربيل (الحزب الديمقراطي الكردستاني) والسليمانية (الاتحاد الوطني الكردستاني المتقارب مع بغداد وطهران)، مما يجعل قيادة بارزاني تخشى أن يتحول التراجع الأميركي، ولو كان شكلياً إلى مقدمة لصفقة تسوية بين واشنطن وبغداد تقدم فيها صلاحيات الإقليم الدستورية ككبش فداء للاستقرار الفيدرالي.
في المحصلة استطاعت واشنطن عبر مخرجات استحقاق 2026 تثبيت أقدامها العسكرية والجيواقتصادية في العراق بأقل كلفة سياسية ممكنة، تاركة الساحة المحلية أمام توازنات قلقة. إذ نالت بغداد ورقة إعلامية تعلن انتهاء التحالف، بينما وجدت طهران نفسها مقيدة بضرورات حماية الاستقرار المالي لحلفائها، في حين تستشعر قيادة كردستان وحيدةً وطأة عزلتها الاستراتيجية، في إقليم يُعاد رسم خرائط نفوذه على حساب القوى الهشة.