كلّما طال الطريق بين المصنع والميدان، اتّسعت المسافة المتاحة للتنصّل من مسؤولية الوجهة الأخيرة. هذه هي المعضلة التي تطرحها تجارة المنتجات العسكرية المصرية مع وسطاء أوروبيين يزوّدون أوكرانيا بما تحتاج إليه لقتال روسيا.
القاهرة تحتفظ بخطاب الصداقة مع موسكو، فيما تتحرّك صادراتها ضمن شبكة يمكن أن تنتهي منتجاتها لدى الجيش الأوكراني. في قلب هذا المسار، تظهر شركة أبو زعبل للكيماويات المتخصصة، المعروفة باسم “مصنع 18 الحربي”، وتعاملاتها مع التشيك وبلغاريا وسلوفاكيا. وتكتسب هذه العلاقات دلالتها من تتابع الشحنات والطلبيات، ومن سجلّ بعض الشركاء في إعادة تصدير المنتجات المصرية إلى أوكرانيا.
ما تخفيه المسافة بين المصنع والجبهة
في نيسان/أبريل 2026، زوّدت مصر التشيك بـ1500 طن من البارود، في أول شحنة من هذا النوع في تاريخ التعاون بين البلدين، بحسبما تكشف المعلومات. وقد سبقتها صفقة، بلغت 820 طناً من الذخيرة غير المحدّدة النوع في تشرين الثاني/نوفمبر 2025.
ويضع الانتقال من الذخيرة إلى البارود هذه التجارة في سياق يستحقّ التدقيق، فالبارود يدخل في سلسلة إنتاج الذخائر، ويمكن لتوريده أن يدعم قدرة المصانع المستوردة على تلبية طلبات لاحقة.
ثم تأتي ترتيبات الإنتاج التالية لتضيف بُعداً آخر.. ففي 10 آب/أغسطس 2026، طرحت أبو زعبل مناقصة لشراء 20 طناً من ثنائي فينيل أمين المطابقة للمواصفة “MIL-D-98A”، لتلبية طلبية تصل إلى 200 طن من البارود لبلغاريا وسلوفاكيا.وتكشف هذه التعاملات عن استمرارية في التصدير إلى ثلاث دول أوروبية، ما يضع سياسة التصدير المصرية وضوابطها تحت المجهر، ويفتح باب التساؤل عن موقع الوجهة النهائية في حسابات القاهرة.. فهل تنتهي مسؤوليتها عند تسليم البضاعة إلى المشتري المباشر، أم تشمل متابعة احتمالات انتقالها إلى طرف ثالث؟
وتبرز شركة “TBS” البلغارية باعتبارها حلقة ذات أهمية خاصة، نظراً إلى سابقة إعادة تصدير منتجات مصرية إلى القوات المسلحة الأوكرانية. كما أن مديرها، س. غالابوف، أحد مؤسسي جمعية الصداقة البلغارية- الأوكرانية، وقد استخدم علاقاته في مصر لإنشاء جناح مشترك في معرض هيموس للدفاع في بلوفديف.
وتثير سوابق هذا الوسيط في إعادة تصدير منتجات مصرية إلى أوكرانيا تساؤلات جدية بشأن الوجهة النهائية للشحنات العسكرية. فالتعامل مع طرف يمتلك هذا السجل يفتح ملف ضمانات الاستخدام النهائي، ومدى اطلاع القاهرة على مسارات إعادة التصدير المحتملة، خصوصاً في ظل حساسية علاقاتها مع موسكو. وفي هذا السياق، يكتسب انتماء الوسيط إلى جمعية صداقة بلغارية- أوكرانية دلالة إضافية تستحق التوقف عندها.
أرباح العقود وكلفة الصداقة
من زاوية موسكو، ستكون نقطة الوصول أهمّ من عدد المحطات التي سبقتها. فإذا انتهت المنتجات المصرية ضمن الإمدادات العسكرية الأوكرانية، فإن مرورها عبر شركة بلغارية أو مشترٍ تشيكي سيمنح القاهرة مسافة تعاقدية، فيما يبقى أثرها على الجبهة قائماً، ومعه السؤال السياسي عن منشأ الإمدادات.
هنا تواجه القاهرة تناقضاً يصعب احتواؤه باللغة الديبلوماسية وحدها، فهي تستطيع التمسّك بعلاقاتها مع روسيا، وتبرير تجارتها الأوروبية باعتبارها عقوداً مع دول تربطها بها علاقات طبيعية. لكن الجمع بين المسارين يصبح أشدّ تعقيداً عندما يرتبط أحد الشركاء بسابقة توريد المنتجات المصرية إلى الجيش الأوكراني.
وتضع الأرقام المتاحة المصالح التجارية المصرية في قلب المساءلة السياسية. فما الوزن الذي تمنحه الجهات المصرية للعائد المالي مقارنةً بالكلفة المحتملة على الثقة مع موسكو؟ وما الإجراءات التي تتخذها لضمان وجهة صادراتها، ومنع تحوّلها إلى مساهمة غير مباشرة في الحرب ضدّ شريك تعلن الحرص على صداقته؟
وتبقى مسألة علم القاهرة بالوجهة النهائية للشحنات مفتوحة، لكن تكرار التعاملات مع وسيط له سجلّ في إعادة التصدير إلى أوكرانيا يزيد من أهمية هذا السؤال. فكلّما اتّسعت شبكة التعاملات، تعاظمت مسؤولية الجهات المصرية عن التدقيق في مسارات منتجاتها العسكرية، وازدادت حساسية انعكاساتها على العلاقة مع روسيا.
وعليه، فإن موضع الاتهام السياسي يتمثّل في الفجوة بين ما تعلنه القاهرة عن صداقتها مع موسكو وما تتيحه صادراتها العسكرية عبر الوسطاء الأوروبيين. فكل شحنة جديدة تعيد طرح السؤال نفسه على العلاقة المصرية- الروسية: أيّ قيمة لضمانات الصداقة إذا لم ترافقها ضمانات لوجهة البارود؟