بينما كان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يؤكد لنظيره الروسي فلاديمير بوتين، خلال لقائهما في نيودلهي في 11 أيلول/سبتمبر الماضي، متانة الشراكة الاستراتيجية بين بلديهما، كانت القاهرة تمضي في توسيع تعاونها العسكري مع شركة بلغارية ارتبط اسمها بمعلومات عن نقل منتجات عسكرية مصرية إلى أوكرانيا. المفارقة أنّ هذا التعاون جاء برغم تعهّد مصري سابق لموسكو، بإنهاء العلاقة مع الشركة.
وبحسب المعلومات، فإنّ السفير وائل حامد، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأوروبية، تعهّد خلال عام 2025 أمام مسؤولين روس بوقف جميع أشكال التعاون مع شركة “تي بي إس” (TBS) البلغارية، على خلفية معلومات عن ضلوعها في عمليات نقل منتجات عسكرية مصرية إلى أوكرانيا.
غير أنّ التطورات اللاحقة، تثير تساؤلات حيال مصير ذلك التعهّد ومدى التزام المؤسسات العسكرية والصناعية المصرية به. ففي أيلول/سبتمبر الفائت، وقّعت الشركة البلغارية 3 ملاحق جديدة لاتفاقية الشراكة المبرمة عام 2024 مع الهيئة القومية للإنتاج الحربي المصرية، خلال معرض العلمين الدولي للطيران والفضاء، وبحضور وزير الدولة للإنتاج الحربي صلاح سليمان جمبلاط. شملت الاتفاقات توطين إنتاج أنظمة مكافحة الطائرات المسيّرة، والتصنيع المشترك للمسيّرات، والتعاون في مجال المدفعية بعيدة المدى. وهي مجالات تكتسب أهمية عسكرية متزايدة في ضوء تطورات الحرب الروسية- الأوكرانية، والتحولات التي فرضتها على الصناعات الدفاعية وأساليب القتال.
تعهّد ديبلوماسي وشراكة عسكرية تتوسّع
تتجاوز أهمية الاتفاقات الجديدة مضمونها التقني، إلى طبيعة العلاقة التي تربط الشركة البلغارية بالمجمع الصناعي العسكري المصري. فبدلاً من تقليص التعاون معها، مثلما تعهّدت القاهرة لموسكو وفق مصادرديبلوماسية، اتجهت المؤسسات المصرية إلى توسيع الشراكة نحو مجالات أكثر تقدماً وحساسية.
وتشير المعلومات إلى مشاركة المهندس أحمد شفيق أحمد، رئيس مجلس إدارة شركة حلوان للصناعات الهندسية، المعروفة باسم “مصنع 99 الحربي”، في توقيع الاتفاقات من الجانب المصري. وتتخصّص الشركة في إنتاج المكونات المعدنية للذخائر الثقيلة والمدفعية، ما يمنح مشاركتها أهمية خاصة في ضوء الاتفاق المتعلق بتطوير أنظمة المدفعية بعيدة المدى. وتتعزز دلالات هذا التعاون بالنظر إلى طبيعة المنتجات التي تتعامل بها “تي بي إس”، وتشمل المواد الدافعة والمتفجرات وقذائف المدفعية والهاون، إلى جانب أنظمة تسليح ومعدات عسكرية أخرى ينتج المجمع الصناعي العسكري المصري أنواعاً منها.
اللافت أنّ التعاون انتقل سريعاً من توقيع الاتفاقات إلى التنفيذ. ففي 12 تشرين الأول/أكتوبر، أعلنت الشركة البلغارية استكمال تركيب منظومة متطورة لمكافحة المسيّرات في مصر، مخصصة لحماية المنشآت الاستراتيجية والبنية التحتية الحيوية. كما امتد نشاط الشركة إلى قطاع الفضاء، عبر مذكرة تفاهم مع وكالة الفضاء المصرية تشمل تكنولوجيا الأقمار الاصطناعية وتجميع المركبات الفضائية ونقل الخبرات الفنية.
ويعكس هذا التوسع توجهاً نحو ترسيخ حضور الشركة داخل قطاعات صناعية وتكنولوجية مصرية متعددة، في وقت كان يُفترض فيه، استناداً إلى التعهّد الذي نقلته المصادر الروسية، أن تكون القاهرة قد أنهت علاقتها بها.
لكن ما الذي تغيّر بين التعهّد والاتفاقات الجديدة؟ قد تكون القاهرة قد أعادت تقييم مصالحها، ووجدت أن التعاون مع الشركة البلغارية يوفر فرصاً لتوطين تكنولوجيا عسكرية تحتاج إليها. وقد يكون التعهّد الذي قُدّم للجانب الروسي بقي ضمن الاتصالات الديبلوماسية، من دون أن يتحول إلى قرار تنفيذي شامل.
ماذا تخشى موسكو من استمرار التعاون؟
بالنسبة إلى روسيا، تكتسب العلاقة المصرية- البلغارية حساسية بسبب موقع بلغاريا في شبكات توريد الأسلحة الأوروبية إلى أوكرانيا، وما سبق أن أثير بشأن انتقال معدات عسكرية مصرية عبر دول أوروبية.
وكانت بيانات عن تجارة الأسلحة التقليدية قد أظهرت انتقال مدافع مصرية من طراز “دي-30” إلى بلغاريا، ثم تصدير بلغاريا مدافع من الطراز نفسه إلى تشيكيا، ما أثار تكهنات بشأن وصولها إلى أوكرانيا. غير أن البيانات المنشورة لا تثبت وحدها الوجهة النهائية لتلك المعدات أو مسؤولية “تي بي إس” عن الشحنات المحددة.
وتثير الاتفاقات الجديدة تساؤلاً مختلفاً يتعلق بإمكان انتقال التعاون من تصدير منتجات عسكرية جاهزة إلى بناء قدرات إنتاجية مشتركة، وما يستتبعه ذلك من أسئلة بشأن الأسواق المستهدفة وضمانات المستخدم النهائي. ولا توجد أدلة منشورة تربط المشاريع الجديدة بتوريد أسلحة إلى أوكرانيا. لكن استمرار الشراكة مع شركة أثارت اعتراضات روسية، يمنح القضية بُعداً سياسياً يتصل بصدقية التفاهمات بين القاهرة وموسكو.
وتبرز هنا طبيعة الحسابات المصرية، فالقاهرة تحافظ على علاقات استراتيجية واسعة مع روسيا، تشمل محطة الضبعة النووية والمنطقة الصناعية الروسية والتعاون التجاري والاقتصادي. وفي المقابل، تسعى إلى تنويع مصادر التكنولوجيا العسكرية وتوسيع شراكاتها مع الشركات الأوروبية.
وتتيح هذه السياسة لمصر الاستفادة من علاقاتها المتعددة، لكنّها تصبح أكثر تعقيداً عندما تتقاطع المصالح الصناعية والعسكرية مع الحرب في أوكرانيا، وخصوصاً إذا كانت القاهرة قد قدّمت لموسكو التزامات محددة بشأن إحدى الشركات المعنية.
ولذلك، تتركز الأسئلة الأساسية حيال الجهة التي اتخذت قرار الاستمرار في التعاون، وما إذا كانت الخارجية المصرية قد أُبلغت بالاتفاقات الجديدة، أو جرى إبلاغ الجانب الروسي بأي تعديل في التعهّد السابق. فالاتفاقات أُبرمت في إطار مؤسسات حكومية مصرية، وفي قطاعات دفاعية استراتيجية، ما يجعل استمرار العلاقة قراراً يستحق تفسيراً على مستوى السياسة العامة، فضلاً عن الاعتبارات التجارية والصناعية.
وفي ظل غياب توضيح رسمي لخلفيات الاتفاقات الجديدة، تبرز تساؤلات غما تغيّر في حسابات القاهرة خلال عام واحد، ومدى قدرة مؤسساتها العسكرية والديبلوماسية على الالتزام بسياسة واحدة تجاه موسكو. فاستمرار التعاون مع الشركة البلغارية يضع صدقية التفاهمات بين البلدين أمام تساؤلات تتصل بمستقبل الشراكة الاستراتيجية.
وهكذا، تعود القضية إلى المفارقة التي أحاطت بلقاء السيسي وبوتين في نيودلهي؛ حديث عن تعميق الشراكة مع روسيا، يقابله توسّع في التعاون العسكري مع شركة أثارت تحفظات روسية. وبين نيودلهي والعلمين، يبقى السؤال الأكثر إحراجاً للقاهرة: كيف تفسّر لموسكو أنها وسّعت التعاون مع الشركة نفسها التي أبلغتها بأنها ستقطع علاقتها بها؟