تشقّ ناقلات الديزل الروسي طريقها إلى الأسواق العالمية، فيما تتمسك أوروبا بعقوبات تستهدف قطاع الطاقة في موسكو. ومن موانئ بحر البلطيق، عادت الشحنات تتحرك نحو تركيا والبرازيل والمغرب، مستفيدة من تفاهم مباشر بين الرئيسين الأمريكي دونالد ترامب والروسي فلاديمير بوتين، قبل أيام.
بات الاتحاد الأوروبي أمام معادلة مربكة؛ واشنطن تخفف القيود على صادرات روسيا النفطية لمعالجة أزمة الأسعار، وبروكسيل تواصل تشديدها لإبقاء الضغط الاقتصادي على موسكو. فإلى أيّ مدى تستطيع العقوبات الأوروبية تحقيق أهدافها بعدما تبدّلت السياسة الأمريكية؟
في 9 تشرين الأول/أكتوبر 2026، أعلن ترامب اتفاقاً مع بوتين يقضي بضخ أكثر من 300 ألف طن من الديزل الروسي في الأسواق الأمريكية والعالمية بصورة فورية، تليها 500 ألف طن خلال تشرين الثاني/نوفمبر، ومليون طن إضافي بعد ذلك. وتحدث أيضاً عن إمكان توفير ثلاثة ملايين طن خلال فترة قصيرة، تبعاً لقدرات المصافي الروسية.
وأرفقت واشنطن الاتفاق بترخيص مؤقت يخفف العقوبات الأمريكية على تجارة الديزل الروسي حتى نيسان/أبريل 2027، ما أتاح لموسكو استئناف صادرات كانت تخضع لقيود أمريكية. وفي 16 تشرين الأول/أكتوبر، ذهب ترامب أبعد بإصدار أمر تنفيذي يعفي من تطبيق معظم العقوبات المنصوص عليها في قانون غراهام، مع إبقاء عقوبات أخرى قائمة.
وكانت موسكو قد رفعت في 9 تشرين الأول/أكتوبر الحظر الذي فرضته على صادرات الديزل لضمان إمدادات السوق المحلية، لتعود الشحنات تدريجياً إلى وجهاتها المعتادة.
موسكو تستعيد أسواقها
أولى ناقلات النفط “ليروو” غادرت ميناء بريمورسك الروسي في 16 تشرين الأول/أكتوبر متجهة إلى البرازيل، فيما أبحرت “دولوناي” في 14 من الشهر نفسه نحو تركيا، بحمولتين تبلغ كل منهما نحو 300 ألف برميل.
واستأنف المغرب أيضاً استيراد الوقود الروسي، فيما تُظهر بيانات شركة “كبلر” أن تركيا استحوذت على 34 في المئة من الشحنات الروسية خلال السنة الجارية، مقابل 24 في المئة للبرازيل و10 في المئة للمغرب.
وتكتسب هذه العودة أهمية في حسابات موسكو الاقتصادية. فروسيا، التي تُعد عادة ثاني أكبر مصدّر للديزل في العالم بعد الولايات المتحدة، تستعيد قنوات تجارية قائمة، وتستفيد من استمرار الطلب العالمي على المشتقات النفطية في ظل اضطراب الإمدادات.
وتبدو الطموحات الروسية أكبر من الكميات المعلنة في اتفاق ترامب، إذ تحدث نائب رئيس الوزراء ألكسندر نوفاك عن إمكان زيادة الصادرات إلى 3.5 ملايين طن شهرياً بحلول نهاية السنة، أي نحو 875 ألف برميل يومياً. وإذا تحقق هذا المستوى، فستصبح روسيا قادرة على تغطية جزء كبير من النقص العالمي في الديزل، وفق تقديرات نقلتها “رويترز” عن محللين في أسواق الطاقة، غير أن الوصول إليه يبقى مرتبطاً بالإنتاج الفعلي وحركة الشحن.
وإلى جانب العائدات التجارية، يمنح الاتفاق موسكو مكسباً ديبلوماسياً يتمثل في إقرار واشنطن بأهمية الإمدادات الروسية لاستقرار الأسواق. كما يعزز موقع الطاقة في المفاوضات الروسية- الأمريكية، بعد سنوات من محاولات الحد من صادرات موسكو وتقليص دورها في التجارة الدولية.
أوروبا أمام معادلة صعبة
تجد بروكسيل نفسها في موقف مختلف، فمنذ شباط/فبراير 2023، يحظر الاتحاد الأوروبي استيراد المنتجات النفطية الروسية المنقولة بحراً، ووسّع القيود في كانون الثاني/يناير 2026 لتشمل مشتقات مكررة في دول ثالثة من النفط الخام الروسي، مع استثناءات محددة.
وأكدت مسؤولة السياسة الخارجية الأوروبية كايا كالاس استمرار العقوبات، معتبرة أن إنهاء الحرب يتطلب زيادة الضغط على موسكو. وفي 12 تشرين الأول/أكتوبر، أضاف الاتحاد الأوروبي نحو 1600 شخص وكيان إلى قوائم عقوباته المرتبطة بروسيا. لكن الإشكالية تكمن في قدرة أوروبا على التأثير في تجارة عالمية تتيح لروسيا بيع منتجاتها إلى أسواق أخرى، خصوصاً مع تخفيف القيود الأمريكية.
فالعقوبات الأوروبية تبقى نافذة قانونياً، وتستطيع منع الشركات الخاضعة لها من تنفيذ معاملات محظورة، غير أن فعاليتها الاقتصادية تتأثر بحجم الأسواق البديلة، وبالسياسات الأمريكية المتعلقة بالخدمات المالية والتأمين والشحن والتعاملات النفطية.
وتزيد أزمة الطاقة الضغوط على الأوروبيين، فقد أظهرت بيانات السوق في 20 تشرين الأول/أكتوبر استمرار تداول العقود الآجلة للديزل الأوروبي بعلاوة تقارب 80 دولاراً للبرميل فوق خام برنت، رغم استئناف بعض الإمدادات الروسية. ويعني ذلك أن عودة الشحنات لم تنعكس حتى الآن انخفاضاً كبيراً في الأسعار الأوروبية.
أما ترامب، فيواجه حسابات داخلية مختلفة، مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في 3 تشرين الثاني/نوفمبر. فقد بلغ متوسط سعر الديزل الأمريكي 6.18 دولارات للغالون في 12 تشرين الأول/أكتوبر، مقارنة بـ3.48 دولارات مطلع السنة، ما يجعل خفض الأسعار أولوية سياسية واقتصادية.
وتمنح هذه الظروف بوتين هامشاً أوسع في التعامل مع واشنطن، خصوصاً أنّ الإدارة الأمريكية تربط تخفيف بعض القيود بالحاجة إلى استقرار سوق الطاقة وتشجيع المسار التفاوضي بشأن أوكرانيا، ولو شكلياً.
ويبقى مدى استمرار الانفتاح الأمريكي على التجارة الروسية مرتبطاً بقرارات ترامب والتطورات السياسية والعسكرية. لكن موسكو حققت بالفعل مكسباً ملموساً بعودة الشحنات، بالتوازي مع مكسب سياسي يتمثل في اتساع التباين بين واشنطن وبروكسيل. ومع كل ناقلة روسية تعود إلى الأسواق، يزداد السؤال إلحاحاً داخل الاتحاد الأوروبي: ما جدوى مواصلة تشديد العقوبات إذا كانت الولايات المتحدة، صاحبة النفوذ المالي والتجاري الأوسع، تفتح مجدداً أبواب التعامل مع موسكو؟