في لحظة لبنانية شديدة الحساسية، عاد ملف الأمن في العاصمة اللبنانية، إلى الواجهة من باب لا يحتمل التأجيل: هل يمكن أن تبقى بيروت مساحة مفتوحة على السلاح المتفلت، فيما يُفترض بها أن تكون مركز القرار السياسي والاقتصادي والإداري، وواجهة لبنان أمام نفسه وأمام الخارج؟
المؤتمر الذي عُقد قبل أيام برعاية النائب البيروتي فؤاد مخزومي، تحت عنوان “بيروت آمنة وخالية من السلاح” كان محاولة سياسية واضحة، لإعادة تثبيت فكرة أنّ حماية بيروت تبدأ من حصر القوة الأمنية والعسكرية بيد الدولة، وأنّ أيّ تساهل في هذا الملف يعني إبقاء العاصمة تحت خطر دائم.
ما أعطى هذا المؤتمر ثقله أنّه جمع، للمرة الأولى، نوابًا من اتجاهات سياسية مختلفة تحت عنوان واحد، بما عكس وجود تقاطع واسع على أولوية تحييد بيروت عن الفوضى الأمنية، ومنع تحويلها إلى ساحة رخوة لأيّ نفوذ خارج سلطة الدولة.
في مدينة تختصر التوازنات اللبنانية كلها، لا يعود السلاح المتفلت مجرد مسألة أمنية، بل يصبح تهديدًا مباشرًا لفكرة العيش المشترك، وللاقتصاد، وللقدرة على استعادة الثقة الداخلية والخارجية بلبنان. هذا المعنى كان حاضرًا بقوة في كلمات المشاركين الذين شددوا على أن بيروت ليست ملكًا لفئة، بل هي مساحة جامعة، وأمنها من أمن لبنان كله.
أهمية أن تكون بيروت “خالية من السلاح” لا تنبع فقط من رمزيتها كعاصمة، بل من وظيفتها الوطنية أيضًا. فهي مقر المؤسسات الدستورية، ومركز الحركة الاقتصادية، والنقطة التي يُقاس عبرها مدى حضور الدولة أو غيابها. وعندما تهتز بيروت، لا يهتز حيّ أو شارع أو منطقة بعينها، بل تهتز صورة البلد بأكمله. لذلك لم يكن تفصيلاً أن يربط عدد من النواب بين حماية العاصمة وبين استعادة هيبة الدولة، وأن يعتبروا أن حصرية السلاح بيد الجيش والقوى الشرعية هي الشرط الأساسي لقيام دولة فعلية، ولإعادة قرار الحرب والسلم إلى المؤسسات الرسمية لا إلى الوقائع المفروضة ميدانيًا.
في هذا السياق، برزت مبادرة النائب البيروتي فؤاد مخزومي بوصفها محاولة لإعطاء هذا العنوان بعدًا عمليًا وسياسيًا في آن معًا. فمخزومي لم يقدّم المؤتمر على أنّه منصة مواجهة داخلية، بل على أنه مساحة لحماية بيروت من الانزلاق مجددًا إلى التهديد والاهتزاز. وقد حرص في كلمته الافتتاحية على تأكيد أن ما يجمع النواب المشاركين أكبر من خلافاتهم، وأنّ عنوان التحرك هو حبّ بيروت والخوف عليها والإيمان بأنها تستحق أن تُحمى. بذلك، حاول راعي المبادرة أن يرفع النقاش من مستوى الاصطفاف السياسي إلى مستوى المسؤولية الوطنية عن العاصمة.
الأهم في مبادرة مخزومي أنّه لم يكتفِ بالشعارات العامة، بل وضع مطلب “بيروت الخالية من السلاح” ضمن إطار تنفيذي واضح. فأعلن دعم الحكومة ورئيسها نواف سلام وقراراتها، واعتبر أن قرار جعل بيروت “خالية من السلاح” يجب أن يُطبّق بالكامل دون استثناء ودون تردد، ثم انتقل إلى تعداد ما يريده فعليًا على الأرض: انتشار الجيش اللبناني في كل شوارع العاصمة، إقامة حواجز شرعية، فرض رقابة فعلية تمنع الفوضى، وتأمين حضور قوي للدولة في كل حي وشارع، وصولًا إلى إعلان التعبئة العامة إذا لزم الأمر. هذا التدرج في الطرح أعطى المبادرة طابعًا عمليًا، وجعلها أقرب إلى خريطة طريق أمنية ـ سياسية لا مجرد موقف إعلامي.
ومن الناحية السياسية، بدت مبادرة مخزومي محاولة لالتقاط لحظة لبنانية دقيقة والبناء عليها. فالمناخ العام الذي عكسه المؤتمر يظهر وجود قبول متزايد لدى قوى وشخصيات متعددة بأنّ استمرار تعدد المرجعيات الأمنية داخل العاصمة لم يعد ممكنًا، وأنّ بيروت لا تستطيع أن تبقى رهينة أيّ سلاح خارج الدولة… وهنا برزت أهمية أن يأتي التحرك من نائب بيروتي، لأن الرسالة ليست فقط دفاعًا عن خيار سياسي، بل دفاع عن المدينة نفسها بوصفها بيئة بشرية واقتصادية واجتماعية مهددة بالخوف والفوضى والهجرة وفقدان الأمان.
كما أنّ مبادرة مخزومي اكتسبت وزنًا إضافيًا لأنّها لم تنطلق من خطاب إقصائي تجاه النازحين أو تجاه المكونات اللبنانية المختلفة، بل شددت على أن بيروت احتضنت الجميع وستبقى كذلك، وأن الأمن لا يكون باستهداف فئة بل بفرض سلطة القانون على الجميع. هذه النقطة بالذات شديدة الأهمية، لأن أي طرح أمني في بيروت يفقد مشروعيته سريعًا إذا بدا وكأنه يستهدف جماعة بعينها بدل أن يؤسس لمرجعية وطنية جامعة. ومن هنا، يمكن القول إن المبادرة حاولت الجمع بين الحزم في مطلب حصرية السلاح، وبين التطمين السياسي والاجتماعي بأن المطلوب حماية العاصمة لا تفجيرها من الداخل.
الرسالة الأعمق التي خرج بها المؤتمر هي أنّ بيروت ليست قضية أمنية فحسب، بل اختبار حقيقي لجدية الدولة اللبنانية. فإذا عجزت السلطة عن جعل العاصمة نفسها خاضعة بالكامل لسيادتها، فكيف يمكن إقناع اللبنانيين أو الخارج بأنها قادرة على بسط سلطتها على سائر الأراضي؟ لهذا السبب، فإن مبادرة “بيروت آمنة وخالية من السلاح” تتجاوز حدود المدينة، وتكاد تتحول إلى نموذج مصغّر عن لبنان الذي يريده أصحاب هذا الطرح: دولة واحدة، قرار واحد، سلاح واحد، ومؤسسات تتولى وحدها حماية الناس وإدارة التوازنات.
مؤتمر بيروت، أعاد طرح سؤال الدولة من مدخل العاصمة، وكذلك تحديد الأولوية بوضوح: لا حماية لبيروت إلا عبر الدولة، ولا استقرار فيها ما دام السلاح المتفلت قادرًا على فرض وقائع تتجاوز القانون. قد لا يكون الطريق إلى هذا الهدف سهلًا، لكن أهمية المبادرة أنها كسرت منطق التعايش مع الخلل، ورفعت السقف باتجاه استعادة العاصمة إلى كنف السلطة الشرعية. وفي بلد يتأرجح باستمرار بين مشروع الدولة ومشاريع الأمر الواقع، تبدو المعركة على بيروت، في جوهرها، معركة على صورة لبنان نفسه ومستقبله.