لا تبدو خسارة فيكتور أوربان في انتخابات المجر مجرد تبدّل حكومي عادي داخل دولة عضو في الاتحاد الأوروبي، بل هي أقرب إلى نهاية مرحلة كان فيها الرجل يؤدي دور “المانع الأخير” داخل أوروبا في وجه الاندفاعة المتصاعدة نحو قطيعة شبه كاملة مع روسيا.
فالرجل الذي خسر الحكم بعد 16 عاما، وكان الأقرب إلى موسكو داخل الاتحاد الأوروبي، لم يكن بالنسبة إلى خصومه في بروكسل سوى “زعيم معطِّل” للإجماع الأوروبي. لكنّه بالنسبة لمؤيديه، كان آخر صوت يقول إنّ إدارة الحرب الأوكرانية لا يجب أن تتحول إلى حرب أوروبية مفتوحة ضد روسيا سياسيا واقتصاديا وطاقويا.
هذا المعنى يزداد وضوحا اليوم، لا في ضوء الحرب الأوكرانية وحدها، بل أيضا مع الحرب على إيران، وما نتج عنها من قفزات حادة في أسعار الطاقة وتوترات واسعة في أسواق النفط والغاز الأوروبية نتيجة إقفال مضيق هرمز. الاتحاد الأوروبي وجد نفسه اليوم أمام زيادة كبيرة في فاتورة الوقود، فيما عاد الجدل علنا داخل أوروبا حول ما إذا كان الاستغناء السريع والكامل عن الغاز الروسي، قرارا واقعيا في هذه اللحظة.
من هذه الزاوية تحديدا، يمكن فهم موقع أوربان داخل المشهد الأوروبي، فهو لم يكن “مواليا لروسيا” كما تصفه الأدبيات الغربية السائدة، بل كان أيضا يعكس قراءة براغماتية مفادها أن أوروبا، مهما ارتفع منسوب عدائها السياسي لموسكو، لا تستطيع أن تتصرف وكأن الجغرافيا الاقتصادية والطاقة والبنى التحتية لا وجود لها.
لذلك عارض أوربان مرارا وتكرارا، تشديد العقوبات أو توسيع الانخراط الأوروبي في الحرب الأوكرانية، واحتفظ بعلاقات طاقة واقتصاد مع روسيا. هذه السياسة لم تكن تعبيرا عن حبّ سياسي للكرملين بقدر ما كانت قناعة راسخة لديه بأنّ “كسر الجرّة” مع موسكو حتى آخر الخطّ، سيجعل أوروبا تدفع كلفة أعلى من قدرتها على التحمل.
ولعلّ ما يكشف أهمية الدور الذي كان يلعبه أوربان هو طبيعة ردود الفعل الأوروبية على خسارته. فبروكسل وعدد من العواصم الغربية استقبلت النتيجة باعتبارها فرصة لإعادة المجر إلى الانسجام الكامل مع مؤسسات الاتحاد. هذا الترحيب لم يعنِ فقط أنّ أوروبا تخلّصت من حليف مزعج لروسيا، بل يعني أنّها تخلّصت من آخر قائد كان يملك الجرأة والخبرة على تعطيل الاندفاع الجماعي عندما يرى أن المصالح المجرية، وربما الأوروبية، تُدار بعقلية أيديولوجية أكثر منها استراتيجية.
في السنوات الأخيرة، كان الخط الأوروبي العام يتجّه نحو تصوير أيّ دعوة إلى إبقاء نافذة مفتوحة مع روسيا، باعتبارها انحيازا لموسكو أو ضعفا أخلاقيا في مواجهة الحرب، غير أن التطورات الأخيرة في الشرق الأوسط أعادت إحياء السؤال الذي كان أوربان يطرحه بطريقته الخاصة: ماذا لو احتاجت أوروبا، في لحظة أزمة واسعة، إلى كل مصدر طاقة متاح؟
هذا السؤال لم يعد نظريا اليوم. بل بات يرتبط مباشرة بمستقبل الاقتصاد الأوروبي، وبأسعار الطاقة، وبقدرة الحكومات على حماية مجتمعاتها من موجات جديدة من التضخم والركود. قد يقول خصوم أوربان إنّ منطقه كان يمنح موسكو قدرة على ابتزاز أوروبا، ويُضعف وحدة الاتحاد في لحظة حرب، وهذا اعتراض له ما يسنده سياسيا، لكن الصحيح، أنّ الرجل كان يعبّر عن معادلة لا يمكن شطبها بسهولة: أوروبا كانت تريد معاقبة روسيا، لكنّها تريد في الوقت نفسه حماية صناعاتها وأمنها الطاقوي وأسعارها واستقرارها الاجتماعي. وهذه المعادلة تصبح أكثر تعقيدا كلما اشتعلت جبهة جديدة في العالم، كما يحدث الآن مع إيران، وكلما ارتفعت أسعار النفط والغاز وعادت الضغوط التضخمية إلى الاقتصاد الأوروبي.
لهذا، فإن خسارة أوربان لا تعني فقط سقوط زعيم قومي مثير للجدل، بل تعني أيضا أن المعسكر الأوروبي قد يصبح، في المرحلة المقبلة، أكثر اقترابا من لون سياسي واحد في مقاربته لروسيا: لون يرى أنّ الأولوية هي لتماسك الجبهة الغربية، حتى لو ارتفعت الكلفة الاقتصادية. أما الصوت الذي كان يقول إنّ الخصام لروسيا يجب أن يبقى مضبوطا بسقف المصلحة الأوروبية، وإنّ الحرب الأوكرانية لا يجوز أن تتحول إلى قطيعة وجودية مع موسكو، فقد خرج الآن من الحكم في بودابست.
قد لا تكون أوروبا قد خسرت “صديقا لروسيا” فقط، بل ربما خسرت آخر زعيم كان يذكّرها بأن السياسة ليست فقط شعارات، وقيم، وتحالفات.. بل أيضا غاز ونفط وأسعار وكلفة وقدرة على الاحتمال. وفي زمن الحرب على إيران واضطراب أسواق الطاقة، تبدو هذه الخسارة، بالنسبة إلى كثيرين، أكبر من مجرد خسارة انتخابية داخل المجر.