لم يعد السؤال عما إن كانت موسكو تريد الدخول على خط الحرب في إيران، بل عما إن كانت واشنطن وتل أبيب وطهران مستعدة لمنحها هامشا فعليا للعب هذا الدور؛ فالدخول الروسي لم يعد مجرد تلميح دبلوماسي بقدر ما هو نافذة.
تتابعت إشارات هذا المسار من الاتصال المباشر بين فلاديمير بوتين ودونالد ترمب، إلى الكلام الروسي الواضح عن “مقترحات” لحل الأزمة، مرورا بالاتصالات المتوازية مع طهران، وصولا إلى الإشارات التي تربط بين الملف الإيراني وتعقيدات الحرب الأوكرانية وموازين الطاقة العالمية.
في لحظة إقليمية مشتعلة ومفتوحة على احتمالات توسع الحرب، تكتسب أي وساطة قادرة على مخاطبة جميع الأطراف أهمية استثنائية، وخصوصا إذا كانت صادرة عن قوة تملك علاقات فعلية مع إيران، وقنوات إلزامية مع واشنطن، وخيط تواصل دائم مع إسرائيل.
تكمن أهمية الوساطة الروسية المحتملة، أولا، في أن موسكو ليست طرفا هامشيا أو بعيدا عن مسرح الأزمة، بل لاعب يعرف جيدا البنية الأمنية والسياسية المحيطة بإيران والمنطقة.
فهي ترتبط بطهران بشراكة إستراتيجية متقدمة، وتفهم حساسيات برنامجها النووي والصاروخي، كما أنها راكمت خلال السنوات الماضية معرفة دقيقة بآليات التفاوض الغربية- الإيرانية، سواء عبر تنسيقها مع الإيرانيين، أو من خلال حضورها غير المباشر في المسارات الدولية المرتبطة بالملف النووي.
وهذا وحده يمنحها أفضلية نسبية على وسطاء آخرين قد يملكون الرغبة، لكنهم يفتقرون إلى الثقة الإيرانية أو إلى القدرة على تقديم ضمانات قابلة للبحث الجدي.
وفي المقابل، لا تدخل موسكو هذا الملف من زاوية الانحياز الأعمى لطهران، بل من زاوية المصلحة الروسية الأوسع؛ فاندلاع حرب مفتوحة في إيران لا يهدد فقط استقرار الشرق الأوسط، بل يهدد أيضا أسواق الطاقة، ويعيد خلط الأوراق في علاقات القوى الكبرى، ويفتح الباب أمام فوضى إستراتيجية قد لا تكون موسكو قادرة على ضبط ارتداداتها.
صحيح أن ارتفاع أسعار النفط قد يمنح روسيا مكاسب مالية ظرفية، لكن اتساع نطاق الحرب يحمل معه مخاطر أكبر: تصعيد أمريكي أوسع، اضطراب في الممرات البحرية، إعادة تموضع عسكري غربي كثيف في المنطقة، واحتمال انفجار ساحات متصلة من سوريا إلى الخليج. لذلك، تبدو الوساطة بالنسبة إلى موسكو وسيلة لحماية نفوذها، بقدر ما هي محاولة لخفض النار.
العنصر الأهم في أي وساطة روسية محتملة هو أن الأفكار المطروحة لن تكون مرتجلة، بل تستند إلى أرضية سابقة جرى تداولها قبل اندلاع الحرب، وخصوصا خلال الجولات التي استضافتها مسقط. هذا تفصيل شديد الأهمية، لأن الوساطة الجدية لا تبدأ من الصفر، بل تبني على صيغ سبق اختبارها أو مناقشتها.
فإن صح أن موسكو اقترحت سابقا ترتيبات تتعلق بنقل الوقود النووي المخصب من الأراضي الإيرانية، والإشراف عليه بالتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، إلى جانب ضمانات مرتبطة باستخدام القدرات الصاروخية الإيرانية، فهذا يعني أن الروس لا يقدّمون أنفسهم كحَمَلة رسائل فقط، بل كجهة قادرة على صياغة سلة تفاهمات تقنية-أمنية، قد تشكل أساسا لوقف إطلاق النار، ثم الانتقال إلى تفاوض أوسع.
هنا تحديدا، تبرز الميزة الروسية الأساسية في القدرة على الحديث بلغة الأمن الصلب، لا بلغة العموميات السياسية فقط؛ فالغرب يريد ضمانات واضحة تتعلق بالنووي والصواريخ، وإيران تريد في المقابل ضمانات تتعلق ببقائها وأمنها، ووقف استهدافها ومحاولة تطويقها. والوسيط الفعّال هو من يستطيع ترجمة هذه المخاوف إلى ترتيبات عملية.
من هذه الزاوية، تبدو موسكو مؤهلة أكثر من غيرها لطرح صيغ تقنية قابلة للفحص، لأنها تملك خبرة نووية وعسكرية، كما تملك حيثية سياسية لدى الإيرانيين تجعل أفكارها قابلة للنقاش، ولو لم تكن مقبولة تلقائيا.
لكن أهمية الوساطة الروسية لا تنبع فقط من مضمونها المحتمل، بل أيضا من توقيتها؛ فالمكالمة بين بوتين وترمب لم تأتِ في فراغ، بل جاءت في لحظة تحاول فيها واشنطن منع توسع الحرب من دون أن تظهر بموقع المتراجع، وتحاول فيها موسكو إثبات أنها ما زالت قادرة على لعب دور دولي وازن برغم استنزافها في أوكرانيا.
من هنا، فإن دخول بوتين على هذا الخط يمنحه فرصة ثمينة لتظهير نفسه كصانع تسويات، لا مجرد طرف في نزاع أوروبي طويل، كما يمنحه ورقة إضافية في إدارة علاقته المعقدة مع إدارة ترمب، خصوصا إذا نجح في تقديم خدمة دبلوماسية تساهم في خفض التصعيد في واحدة من أخطر بؤر العالم.
مع هذا كله، تبقى الوساطة الروسية، إذا نضجت فعلا، واحدة من أكثر المسارات واقعية بين الخيارات المتاحة؛ فالقوى الأوروبية تفتقر إلى التأثير الحاسم، والأمم المتحدة عاجزة عن فرض مسار تفاوضي في حرب بهذا الحجم، فيما الوسطاء الإقليميون، برغم أهميتهم، قد لا يملكون وحدهم الأدوات التقنية والسياسية المطلوبة لمعالجة ملفين بحجم النووي والصواريخ تحت النار.
لذلك، فإن قيمة الدور الروسي تكمن في أنه قد يقدّم مخرجا وسطا: لا انتصارا كاملا لأي طرف، بل صيغة توقف النزيف وتفتح الباب أمام تسوية أوسع.