في كل مرة تُقرع فيها طبول الحرب في منطقة الشرق الأوسط، يظهر السؤال ذاته ليتردد في أذهان الملايين: من التالي؟ ولماذا يصاغ قرار الحرب والسلم في واشنطن أكثر مما يصاغ في عواصمها؟
منذ نهاية الحرب الباردة، تفردت الولايات المتحدة الأميركية بموقع “القوة العظمى”، مستندة في ذلك إلى تفوق عسكري واقتصادي وسياسي واضح، مكّنها من التأثير المباشر في مسار النزاعات الدولية.
في الشرق الأوسط تحديدا، تجلى هذا التفرد في تدخلات عسكرية مباشرة وبعض الحالات غير المباشرة، وكذلك في اصطفافات سياسية، كان من أبرز عناوينها: دعم إسرائيل، بوصفها الحليف الأوثق أو الذراع العسكرية الأميركية في المنطقة.
واشنطن تتبنى خطابا يقوم على حماية الأمن القومي ونشر الاستقرار، لكن في المقابل يتهمها منتقدوها بأنها تتخذ قرارات الحرب من دون اكتراث كافٍ للأعراف الدولية، أو لمواقف المؤسسات الأممية.
كما يُنظر إلى هذا النهج على أنه انحياز في كثير من الأحيان لمصالح إسرائيل الأمنية والإستراتيجية، سواء عبر الدعم العسكري أو الغطاء السياسي في المحافل الدولية.
هذا الدعم غير المشروط، كما يراه قطاع واسع من الرأي العام العربي والإسلامي، منح إسرائيل مساحة حركة واسعة في المنطقة، وكرس شعورا بأن موازين العدالة الدولية مختلة لصالحها.
في فلسطين، يستمر الصراع منذ عقود، مع اتهامات لإسرائيل بمواصلة الاحتلال والاستيطان، وتوسيع نفوذها على حساب الحقوق الفلسطينية. وفي لبنان وسوريا، تكررت الضربات العسكرية والتوغلات تحت ذرائع أمنية متعددة.
أما مع إيران، فقد تصاعدت المواجهة إلى مستويات غير مسبوقة، سواء عبر العقوبات أو العمليات الأمنية أو التهديدات العسكرية المباشرة.. وأخيرا الحرب التي نشهدها اليوم.
يرى منتقدو السياسة الإسرائيلية أن هذه التحركات تعكس نهجا توسعيا لا يقف عند حدود، وأن مفهوم “الأمن الوقائي” تحول إلى مبرر دائم لاستخدام القوة خارج الحدود.
كما يذهب بعض المحللين للقول إن إسرائيل كلما حققت هدفا أمنيا أو سياسيا، انتقلت سريعا إلى هدف جديد، وهذا ما يعزز الانطباع بأن شهيتها الإستراتيجية مفتوحة على مزيد من النفوذ.
في الشارع العربي والإسلامي اليوم، يتنامى قلق من أن مسلسل المواجهات لن يتوقف عند الحدود الإيرانية، وتتردد تكهنات بأن دولا محورية أخرى، مثل مصر، وتركيا، قد تكون يوما ما في دائرة الاستهداف السياسي أو الإستراتيجي، ضمن تصور يرى أن إسرائيل تسعى إلى تحييد أو إضعاف كل القوى الإقليمية الكبرى، تمهيدا لفرض هيمنة شبه كاملة على منطقة الشرق الأوسط.
وبرغم أن هذه المخاوف تبقى في إطار التقديرات السياسية، المبنية على بعض المؤشرات الميدانية (مثل الصراع الإسرائيلي التركي في سوريا)، فإنها تعكس مستوى عميقا من انعدام الثقة في نوايا القوى الكبرى، وفي طبيعة التوازنات الإقليمية.
لا يقلّ إثارة للجدل عن ذلك ما يوصف بازدواجية المعايير في مواقف بعض القوى الغربية، حيث تُفرض عقوبات صارمة على دول بعينها، بينما تواجَه انتقادات لإسرائيل غالبا ببيانات دبلوماسية محدودة التأثير. هذا الواقع يعزز شعورا عاما بين كل الدول، وعلى الأقل في دول العالم الثالث، بأن القانون الدولي يطبّق بانتقائية، وأن ميزان العدالة يميل حيث تميل المصالح.
لكن برغم هذا كله يبقى السؤال مفتوحا: أتنتقل المنطقة إلى مزيد من التصعيد، أم إن موازين الردع ستفرض حدودا جديدة للعبة القوة؟
إن استمرار منطق الغلبة العسكرية دون أفق سياسي عادل ينذر بدورات متكررة من العنف، لن تقف آثارها عند حدود دولة بعينها. وحده الاحتكام الحقيقي إلى القانون الدولي، والاعتراف المتبادل بالحقوق، يمكن أن يضع حدا لمسار التصعيد، ويمنح شعوب المنطقة فرصة للعيش بعيدا عن شبح السؤال الدائم: بعد إيران، من سيكون التالي؟