عقب إجراء الانتخابات في العراق، تحتدم المعركة السياسية لاختيار الرئاسات الثلاث (الوزراء، الجمهورية، والبرلمان) بين مختلف الكتل الشيعية والسنية والكردية. غير أنّ جوهر هذا الصراع في جولته الحالية يتمحور في الأساس حول المواجهة بين النظام الإيراني والولايات المتحدة؛ فبينما يستميت النظام الإيراني للحفاظ على قاعدته ونفوذه في العراق، تسعى واشنطن هذه المرة إلى دحر هذا النفوذ كجزء من استراتيجيتها الأوسع في الشرق الأوسط.
وفي هذا السياق، تكثفت الزيارات الدبلوماسية الأميركية إلى العراق؛ حيث أجرى توم باراك، السفير الأميركي في تركيا (والذي يمتلك خبرة في ملفات لبنان وسوريا)، زيارة التقى خلالها بالسوداني وغيره من المسؤولين. كما وصل مارك سافايا بصفته مبعوثاً أميركياً خاصاً إلى العراق، بمهمة محددة تتمثل في “التركيز على إعادة الإعمار، وتطوير الطاقة، والحد من النفوذ الإيراني”.
وبالتوازي، أجرى مايكل ريغاس، نائب وزير الخارجية الأميركي، زيارة هذا الأسبوع شملت بغداد وأربيل، عقد خلالها اجتماعات مع المسؤولين العراقيين والأكراد، وشهدت الزيارة افتتاح القنصلية الأميركية في أربيل، التي توصف بأنّها الأكبر من نوعها في العالم.
وخلال هذه التحركات الدبلوماسية، أعلنت الجريدة الرسمية العراقية بشكل مفاجئ عن إصدار أوامر بتجميد الأصول المرتبطة بـ”حزب الله” وجماعة “انصار الله” الحوثي، وإدراجهما على القوائم السوداء. وجاء في البيان الرسمي أنّ هذا القرار استند إلى تقييم سرّي صادر عن مكتب مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب العراقي.
ويبدو أنّ هذا الإجراء جاء كأحد تداعيات انحياز رئيس الوزراء العراقي، محمد شياع السوداني، بشكل أكبر نحو الولايات المتحدة في خضم الصراع على كرسي رئاسة الوزراء. إلاّ أنّ هذا النبأ أثار توتراً سياسياً واسع النطاق في الداخل العراقي خلال الاسبوع الفائت، مما دفع السوداني إلى التراجع عنه ووصفه بأنه “نتاج خطأ”.
في غضون ذلك، تصاعدت الهجمات الصاروخية وبالطائرات المسيرة على المناطق النفطية في كردستان، التي تخضع بشكل متزايد لسيطرة الشركات الأميركية. وقد هددت الولايات المتحدة بردّ عسكري حازم في حال تكرار هذه الحوادث، مؤكدة رفضها القاطع لوجود الجماعات المسلحة في تشكيلة الحكومة العراقية الجديدة، ومحذرة من أي تعامل معها.
وفي مقابلة أجريت مؤخراً، حمّل السفير الأميركي في تركيا توم باراك، النظام الإيراني مسؤولية الفوضى في العراق، مصرحاً: “انظروا إلى العراق وسوريا ولبنان وتركيا. القضية الجوهرية هي حدودهم المشتركة مع إيران. وطهران تدرك ذلك جيداً، ولهذا السبب ليست مستعدة لخسارة العراق مجاناً… لقد اضطروا مؤخراً للتراجع فيما يخصّ ملفات حزب الله وحماس والحوثيين، ثم تعرضوا للهجوم في عقر دارهم خلال حرب الـ 12 يوماً… والآن يقاتلون باستماتة من أجل الاحتفاظ بالعراق، لأنّه الورقة الوحيدة المتبقية لديهم”.
آلات هذا التجاذب بين النظام الإيراني والولايات المتحدة في الساحة العراقية، تُعد مسألة بالغة الأهمية؛ فإذا فشل النظام في تمرير أجندته، فسيشكل ذلك -عقب سلسلة هزائمه السابقة- تراجعاً نوعياً آخر في ميزان القوى.
ما بين سطور هذا المشهد، تكشف حركة المبعوثين الأميركيين حجم الرهان على العراق. فالمبعوث الخاص مارك سافايا جاء بتفويض علني يربط بين إعادة الإعمار وتطوير قطاع الطاقة وبين “تقليص نفوذ طهران”، في لحظة تُصنّف فيها بغداد كإحدى آخر الأوراق الاستراتيجية المتبقية لإيران بعد اهتزاز نفوذها في سوريا ولبنان تحت ضغط الحروب والعقوبات والهجمات الإسرائيلية المتكررة على أذرعها.
أما زيارة مايكل ريغاس لافتتاح القنصلية الأميركية الجديدة في أربيل، الأكبر من نوعها في العالم، فليست مجرد توسعة لتمثيل دبلوماسي؛ القنصلية تقع عملياً فوق عقدة الطاقة الكردية – من الغاز في خورمور إلى النفط في حقول دهوك وأربيل – وهي رسالة بأن واشنطن تريد أن تكون حاضرة في قلب ملفي النفط والغاز، حيث تتحول البنية التحتية للطاقة إلى ساحة رسائل متبادلة بين إيران وحلفائها من جهة، والولايات المتحدة وشركاتها من جهة أخرى.
قرار تجميد أصول “حزب الله” و”أنصار الله” في العراق، ثم التراجع عنه سريعاً، قدّم نموذجاً مكثّفاً عن حدود الحركة العراقية بين الضغطين الأميركي والإيراني. فالقرار الأول، الذي نُشر في الجريدة الرسمية ضمن لائحة لتجميد أصول 24 جهة مصنّفة على لوائح الإرهاب، انسجم تماماً مع أجندة المبعوثين الأميركيين في تضييق الخناق المالي على أذرع طهران في المنطقة. لكنّ ردّة الفعل العاصفة من الكتل والفصائل المقرّبة من إيران دفعت الحكومة إلى التراجع عن التصنيف، واعتباره “خطأً إجرائياً” تم تصحيحه، في مشهد أظهر كيف أن كل خطوة في هذا المجال تُقرأ كرسالة استراتيجية لا يمكن تمريرها من دون كلفة داخلية عالية.
خلف هذا الكباش السياسي والمالي، يتواصل حضور النفوذ الإيراني عبر البنية الصلبة: فالحشد الشعبي وفصائل “المقاومة” لا تزال تمتلك قوة نارية معتبرة، وتُتّهم أجنحة منها بالوقوف خلف سلسلة من الهجمات بالطائرات المسيّرة والصواريخ على قواعد تضم قوات أميركية وعلى حقول النفط والغاز في كردستان خلال العام 2025، في إطار تداخل الحرب غير المعلنة بين إيران وإسرائيل مع الحسابات الأميركية في العراق. هذه الفصائل، إلى جانب أذرع اقتصادية وشبكات تهريب، تُقدَّر عوائدها بما يفوق مليار دولار سنوياً عبر التهريب والالتفاف على العقوبات، فيما يبلغ جزء كبير من موازنة الحشد الرسمية نحو 3.5 مليارات دولار يذهب عملياً إلى شركاء طهران في العراق.
في المقابل، تراهن واشنطن على استخدام سلاح الاقتصاد والاستثمار لمعادلة هذا النفوذ. فخطاب مبعوثيها في بغداد وأربيل يربط صراحةً بين استقرار العراق، وبين كبح الميليشيات المقرّبة من إيران، مروراً بإصلاح قطاع الطاقة، واستقطاب شركات أميركية وأوروبية وخليجية إلى مشاريع الغاز والكهرباء والبتروكيمياويات، في محاولة لتحويل العراق إلى ساحة تعاون اقتصادي بدلاً من أن يكون مجرد مساحة اشتباك بالوكالة.
في هذا المشهد المركّب، تبدو حكومة بغداد – أياً يكن اسم رئيسها المقبل – محاصَرة بسؤال واحد حاسم: إلى أيّ مدى يمكن للعراق أن يخفّف من ارتكازه على “عمق إيراني” متجذّر في بنية الأمن والسياسة والاقتصاد، من دون أن يدفع كلفة انفجار داخلي جديد؟ وفي الوقت نفسه، إلى أي مدى يمكنه الاستجابة للأجندة الأميركية المتشددة تجاه طهران، من دون أن يتحوّل إلى ساحة مواجهة مفتوحة تجرّه إلى حرب لا يريدها؟
الجواب عن هذا السؤال لن يأتي من البيانات الأميركية أو الإيرانية، بل من قدرة العراقيين أنفسهم – قوى سياسية ومجتمعاً – على فرض معادلة مختلفة: دولة تستعيد تدريجياً قرارها السيادي، لا تقطع مع إيران ولا تسلّم قرارها بالكامل لواشنطن، بل تحاول أن تحوّل تنافس القوتين على أرضها إلى فرصة لإعادة بناء مؤسساتها واقتصادها، بدل أن تكون مرة أخرى وقوداً لحروب الآخرين. وإذا كانت معركة ما بعد الانتخابات هي آخر حلقات الاشتباك الراهن بين المشروعين الأميركي والإيراني في العراق، فإن كيفية حسمها ستقول الكثير عن شكل العراق الذي سيتكوّن في السنوات المقبلة: عراق دولة متوازنة، أم عراق ساحة مرّة أخرى.