من اللحظة التي خرج فيها المرشد الإيراني علي خامنئي لينفي، بصورة قاطعة، بعث أيّ رسالة إلى الإدارة الأميركية، بدا واضحًا أنّ ثمّة قطبة مخفية في تلك الرسالة، وأنّ ما يزعج المرشد ليس مضمون ما جرى، بل انكشاف الأمر.
فالنفي الصارم الذي وصف الحادثة بأنّها “كذب محض” جاء متأخرًا عن سلسلة تسريبات داخل النظام الإيراني نفسه، كشفت ما حاولت طهران دفنه حيال وجود “قناة اتصال” غير مباشرة مع واشنطن عبر ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان.
اليوم، يأتي تسلسل الأحداث ليكشف تفاصيل القصة كلّها، ويضع النقاط على الحروف. القصة بدأت قبل أسابيع، تحديداً منتصف الشهر الفائت (نوفمبر)، حين أعلن علي رضا رشيديان، رئيس منظمة الحجّ والزيارة في إيران، أنّه حمل “رسالة خاصة” من الرئيس مسعود بزشكيان إلى الأمير بن سلمان.
في البداية، تعاملت طهران مع الموضوع، كأنّه شأن بروتوكولي مرتبط بالحجّ. لكنّ التفسير بدا هشًا إلى حدّ السخرية: موسم الحج انتهى منذ أشهر، وزيارة بن سلمان إلى واشنطن كانت على الأبواب. الرسالة لم تكن بطاقة شكر متأخرة، بل مدخلًا لشيء أكبر!
السعوديون أعلنوا رسميًا تسلّم الرسالة. وحكومة بزشكيان أكدت ذلك، لكنّها تمسّكت بـ”رواية الحج”. هنا انكسر الصمت داخل إيران، حيث خرج النائب السابق مصطفى كواكبيان، ليقول بوضوح إنّ الرسالة لم تُرسل إلى الرياض فقط، بل حَمَلَت مضمونًا موجّهًا إلى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وإنّ كل ذلك جرى “بموافقة خامنئي نفسه”. الرجل كان يحاول الدفاع عن الرئيس الجديد أمام هجمات المحافظين، لكنّه كشف ما لا يريد النظام الاعتراف به: أنّ المبادرة إلى الاتصال جاءت من طهران، لا من واشنطن.
ثم جاء التصريح الأخطر من عضو اللجنة القضائية في البرلمان مجتبى ذو النوري، الذي قال إنّ ترامب ردّ بالفعل عبر الأمير بن سلمان، وإنّ الرد تضمّن ثلاثة شروط صارمة، وهي:
– الوصول إلى “صفر تخصيب” لليورانيوم داخل إيران.
– وقف دعم الميليشيات و”محور الممانعة”.
– تقليص مدى الصواريخ الباليستية الإيرانية.
هذه الشروط، كما تُفهم في السياق الإيراني، ليست مطالب تفاوضية عادية. بل هي مسّ مباشر بمرتكزات القوة التي بنى عليها النظام الإيراني وجوده: النووي، الصواريخ، والميليشيات.
بمعنى أوضح، واشنطن تعاملت مع المبادرة باعتبارها “لحظة ضعف” إيرانية، وليس فرصة لإعادة التوازن. لكنّ الردّ الإيراني كان على طريقة النظام المعتادة، إذ فتح القضاء الإيراني ملفًا ضد كواكبيان بتهمة “الكذب على المقام المعظم للقيادة”. الرسالة الداخلية كانت واضحة ومفادها التالي: أيّ حديث عن ضوء أخضر من خامنئي نحو التفاوض يُعدّ خطًا أحمر. وبذلك يريد النظام أن يمحو الأثر قبل أن يتحوّل كل ذلك إلى “نقاش علني” في الداخل الإيراني ويثير الجَلَبَة حول التراجع والتناقض.
لكن لماذا كذّب خامنئي فرضية الرسالة من أساسها؟ الجواب بسيط: هذا الاعتراف يعني سقوط إحدى أهم ركائز خطاب خامنئي السياسي أمام جمهوره، التي قامت على رفض التفاوض مع الولايات المتحدة الأميركية باعتباره “أمراً مُذلاً”، خصوصاً أنّ القاعدة العقائدية التي قاتل نظام الملالي في إيران لترسيخها منذ سنوات طويلة، لا تحتمل أن يُقال إنّ المرشد نفسه وافق على بعث رسالة سرّية عبر وليّ عهدِ دولةٍ، كان يُقدّم حتى الأمس، كـ”خصم إقليمي”.
التناقض بين القول والفعل لم يكن جديدًا على النظام الإيراني، لكنّ حساسيته اليوم قد تبدو مضاعفة. إيران تعيش ضغطًا اقتصاديًا خانقًا، وتواجه عزلة إقليمية ودولية، وتخشى ارتدادات الحروب المستجدة. في لحظة كهذه، يبدو أنّ بزشكيان حاول فتح باب خلفي، وأنّ خامنئي حاول إغلاقه بعدما انفضح.
إذاً، القضية بكل ما فيها، تكشف 3 حقائق: أولاً، إنّ النظام مستعد للتراجع الصامت حين يشعر أنّ بقاءه مهدّد، حتى لو تطلّب ذلك دفن شعاراته العقائدية. وثانيًا، إنّ أي مفاوضات مستقبلية لن تقتصر على الملف النووي، بل ستطال قلب المشروع الإقليمي الإيراني. وثالثًا، إنّ الصراع داخل النظام حول إدارة العلاقة مع واشنطن بات أعمق من مجرد “سجال سياسي”، بل أقرب إلى “معركة” على تعريف هوية النظام نفسه.
أمّا النتيجة، فيمكن القول إنّ نفي المرشد العلني للرسالة ربما يُرضي جمهوره في الداخل، لكنّه لا يغيّر شيئًا من حقيقة أنّ الباب قد فُتح، ولو على استحياء. وأنّ مضامين الرسالة إياها، سواء اعترف بها المرشد أو لا، ستظل علامة على لحظة اضطراب، حاولت طهران أن تمرّرها في الظلّ… لكنّها انكشفت.