كشف الصحافي المتخصّص في الشؤون الإيرانية حسن فحص، أنّ الخسارة الاستراتيجية والجيوسياسية التي لحقت بالنظام الإيراني نتيجة سقوط الأسد وانتقال السلطة إلى المعارضة، التي حاربتها طهران إلى جانب الأسد على مدى أكثر من 14 عاماً، قد تفتح بوجه طهران أسئلة داخلية كثيرة، في ظلّ ما يعانيه ويواجهه الوضع الداخلي الاقتصادي من أزمات.
وقال فحص في تقرير نُشر على موقع “أساس ميديا” اللبناني، أنّ السقوط السريع للنظام السوري بقيادة بشار الأسد خلال 11 يوماً، شكّل صدمة حقيقية لم يكن يتوقّعها حلفاء النظام ولا خصومه.
وأضاف فحص، أنّ النظام في طهران “استعدّ لمواجهة هذه الأسئلة من خلال رفع مستوى الحديث عن تداعيات التغيير في سوريا إلى مستوى الأمن القومي، والتلويح المباشر من المرشد الأعلى والأجهزة القضائية بملاحقة ومحاكمة من يساعد على نشر ما يؤدّي إلى المساس بالاستقرار الداخلي، من دون التورّع عن اتّهام من يقوم بذلك بالعمالة والتجسّس للأعداء”.
واعتبر أنّ اتّساع الخسائر المتوقّعة من انهيار نظام الأسد لم يمنع البعض من الحديث عن حجم الأموال التي دفعتها إيران لدعم نظام الأسد اقتصادياً وعسكرياً. إذ أنّ حديث رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية الأسبق في البرلمان حشمت الله فلاحت بيشه عن مبالغ تصل إلى 30 مليار دولار قدّمتها طهران لدمشق على صورة خطوط اعتماد، يشكّل رأس جبل الجليد أمام المشاريع والاستثمارات الأخرى، الاقتصادية والعسكرية، التي تمّت عبر قناة قوّة القدس في حرس الثورة، بعيداً عن القنوات الرسمية للدولة، وتحت إشراف المرشد الأعلى وتنفيذ وتخطيط من قائد قوّة القدس السابق الجنرال قاسم سليماني، واستكملها خليفته الجنرال إسماعيل قاآني.
وتفيد التقارير الرسمية الخاصة بالدولة الإيرانية ومؤسّساتها المالية، بالإضافة إلى ما رصدته المتابعات الدولية، أنّ حجم الاستثمارات والإنفاق الذي قامت به إيران في سوريا منذ عام 2011 إلى عام 2024 يتجاوز مئة وخمسين مليار دولار.
وتشير التقديرات الأوّلية إلى أنّ الحرب السورية كلّفت الخزينة الإيرانية على مدى 14 عاماً أكثر من 76 مليار دولار، تضاف إليها أكلاف مشاريع واستثمارات جرت عبر الدولة والحكومات الإيرانية تجاوزت 50 مليار دولار. الأمر الذي يجعل معرفة مصير هذه الاستثمارات، مع التغيير الحاصل في السلطة السورية، أمراً مستحيلاً، خاصة في ظلّ الحديث عن أنّ السلطة الجديدة في دمشق في طور الإعداد لملفّ يطالب إيران بدفع غرامات تصل إلى 300 مليار دولار تعويضاً عن التدمير الذي تعاني منه سوريا جرّاء الحرب التي شاركت فيها إلى جانب الأسد.
يكشف تقرير صادر عن مكتب تحقيقات الكونغرس الأميركي ومؤسّسة دراسات السلام الدولي في استوكهولم (SIPRI)، نشر تفاصيله الخبير الاقتصادي الإيراني المقيم في فرنسا جمشيد أسدي، أنّ حجم الاستثمارات الإيرانية بين عامَي 2011 و2023 في مجال البنى التحتية العسكرية والدعم اللوجستي وتدريب القوات السورية وكلفة استقرار المستشارين الإيرانيين في سوريا يراوح بين 30 إلى 35 مليار دولار.
فحص قال إن طهران قامت عبر قوّة القدس المعنيّة بما يجري في سوريا، بـ”إنشاء قاعدة لتخرين الصواريخ وإقامة نحو 1,500 خبير إيراني في منطقة دير الزور عام 2013 وصلت كلفتها إلى 250 مليون دولار. أمّا في اللاذقية فقد بنت مركزاً لوجستياً عام 2015 بكلفة تصل إلى 180 مليون دولار يُستخدم لتخزين ونقل السلاح، إلى جانب أنفاق تحت الأرض لتخزينه”.
أمّا ما يتعلّق بقاعدة T4 الجوّية في محافظة حمص، فقد “استثمرت إيران نحو 400 مليون دولار لبناء تحصينات عسكرية لحماية وتخزين أنظمة الدفاع الجوّي التابعة لها وللقوّات الروسية، بالإضافة إلى حظائر تحت الأرض للطائرات المسيّرة والصواريخ بالقرب من مدينة تدمر”.
وما سيطرت عليه إيران وصل إلى نحو 7 قواعد جوّية، و15 مخزن صواريخ، و22 مركز قيادة وسيطرة، ونحو 85 كيلومتراً من الأنفاق. لا شكّ أنّ الجانب الإيراني، بالإضافة إلى الحليف اللبناني، يتحسّرون على هذه المنشآت التي آلت إلى القوى التي سيطرت على سوريا بعد انهيار نظام الأسد السريع.
أمّا على صعيد الاستثمارات الاقتصادية، فإنّ تقريراً مُصنّفاً سرّيّاً سرّبته جماعة “مجاهدي خلق”، كشف عن جدول لحجم الاستثمارات والمشاريع التي تمّ التعاقد عليها بين الحكومة الإيرانية وحكومة الأسد، وتبلغ قيمتها ما يقارب 50 مليار دولار، وتتوزّع على مشاريع تمّ تنفيذها إلى جانب أخرى قيد التنفيذ. تشمل قطاعات صناعية وعسكرية، من بينها تصدير النفط وخطوط الاعتماد، أي أموال نقدية. بالإضافة إلى الاستثمار في مناجم الفوسفات بقيمة 125 مليون دولار. ومشروع استخراج النفط من القطعة 21 من حقول حمص، الذي تقدّر احتياطاته بنحو 100 مليون برميل. إلى جانب حقل 12 في منطقة البوكمال باستثمار قدره 300 مليون دولار، وعدّة مشاريع لم يتمّ التوقيع عليها. من ضمنها إطلاق شبكة اتّصالات ثالثة ومساحات للاستثمار الزراعي وتطوير ميناء طرطوس باستثمار بلغ نحو 1.2 مليار دولار.
وربّما المشروع الأهمّ والأكثر طموحاً لدى إيران يتمثّل في الجهود التي بذلتها لبناء خطّ أنابيب لنقل الغاز الإيراني إلى سواحل البحر الأبيض المتوسط عبر العراق وصولاً إلى السواحل السورية، بكلفة تقديرية تصل إلى 8 مليارات دولار. وقد تمّ البدء بالمشروع سنة 2013، ثمّ توقّف عام 2022 من دون أن يعرف مصير الاستثمارات التي أنفقت عليه.
كما تحمّلت البنوك الإيرانية العبء الأكبر في توفير القروض التي حصلت عليها الشركات الخاصّة والعامّة التي دخلت في استثمارات مع الحكومة السورية. وفي هذا الإطار، يقدّر البنك المركزي الإيراني حجم هذه القروض بما يعادل 3 في المئة من الناتج الإجمالي الداخلي العامّ للدولة.
وهناك استثمارات جرت بين نظام الأسد ومقرّ خاتم الأنبياء الذي يعتبر الذراع الاقتصادية لحرس الثورة الإيرانية. وهي استثمارات لا أحد يعلم حجمها وطبيعتها. لأنّها تشمل الجانب العسكري وكانت تدرج في بند ضمن الموازنة المخصّصة لحرس الثورة من ميزانية الدولة العامّة. وتوضع بتصرّف قائد قوّة القدس قاسم سليماني. ولا أحد يملك حقّ السؤال عن كيفيّة صرفها وفي ما صُرفت، باستثناء المرشد الأعلى. أي أنّ كلفة الدعم العسكري لا تدخل ضمن الأكلاف التي تكبّدتها الحكومة الإيرانية. وهي تعادل ما يصل إلى 15 في المئة من الناتج المحلّي الإجمالي لإيران أو ميزانية سنة ونصف للدولة الإيرانية.
كانت هذه الميزانية المخصّصة لقوّة القدس تُستخدم في الجانب العسكري وفي مشاريع استثمارية تحت إشراف مقرّ خاتم الأنبياء الذي يشرف عليه المرشد الأعلى إلى جانب الحرس. وهي مشاريع شملت قطاع الطاقة كمحطّة حمص لتوليد الكهرباء ومدناً سكنية في مدينة حلب، ووصلت كلفتها إلى 1.5 مليار دولار. إلى جانب تحديث وصيانة الطرق البرّية الاستراتيجية بين حمص ودمشق بكلفة وصلت إلى نحو 500 مليون دولار.
من ضمن الاستثمارات التي قام بها مقرّ خاتم الأنبياء ومعه جمعية إمداد الإمام الخميني، ما يتعلّق بالأماكن والعتبات الدينية. وقد بلغ حجم الصرف المالي على تطوير هذه الأماكن في دمشق (السيّدة زينب والسيّدة رقيّة) وفي مدن أخرى مثل حمص وحلب والمراكز الثقافية، نحو 2 مليار دولار، من بينها قصر ضيافة السيّدة زينب الذي كلّف 35 مليون دولار، ويشمل نحو 150 غرفة، إلى جانب صالات ضخمة لمختلف الأنشطة والتجمّعات.
قد تكون الخسارة الاقتصادية والاستراتيجية الأبرز التي ستظهر آثارها في المقبل من الأيام، هو الدور الذي لعبته سوريا في مساعدة إيران للالتفاف على العقوبات الدولية. إذ شكّلت سوريا مصدراً لنحو 15 في المئة من الصادرات الإيرانية إلى الشرق الأوسط، فضلاً عن السوق الذي شكّلته سوريا لتصريف الإنتاج والبضائع الإيرانية من مختلف الأنواع. بحيث وصلت قيمة الصادرات الإيرانية عام 2010 إلى نحو نصف مليار دولار، وبلغت في الأشهر الثمانية الأولى من عام 2024 أكثر من 200 مليون دولار.
أمام تكشُّف هذه الحقائق وحجم الخسائر التي لحقت بالاقتصاد الإيراني والأموال التي صرفت من أجل تعزيز وجودها الاستراتيجي خارج الحدود، مع نظام هشّ وغير مستقرّ، لن يكون من السهل على القوى السياسية السكوت عنه. خاصة في ظلّ ما يعانيه الاقتصاد الإيراني من عجز على جميع المستويات. بالإضافة إلى الحقائق التي تكشّفت عن اهتراء وتآكل البنى التحتية، سواء في مجال إنتاج الطاقة الكهربائية أو النفط، والعجز الكبير في الإنتاج الزراعي وما يشكّل السلّة الغذائية للمواطن الإيراني. علاوة على الإرباك الذي تعيشه حكومة الرئيس مسعود بزشكيان في محاولتها سدّ العجز في حقوق ورواتب الموظّفين وتوفيرالموادّ الغذائية بأسعار ضمن قدرة المواطن الشرائية، التي تراجعت بشكل كبير ومفجع.