دخلت ألمانيا المواجهة الاقتصادية مع روسيا وهي تعتمد على الغاز الروسي لتشغيل جزء أساسي من صناعتها، ومع العقوبات الغربية وتقليص موسكو الإمدادات، ثم وقفها عبر “نورد ستريم 1″، خسرت برلين علاقة طاقة ساعدت شركاتها على المنافسة. وبعد أكثر من 4 أعوام على اندلاع الحرب الأوكرانية، تظهر الكلفة في مصانع خفّضت إنتاجها وأخرى عُرضت للبيع والنقل، وفي أموال عامة خُصّصت لإنقاذ شركات كانت تستفيد من التجارة مع روسيا.
قبل الحرب، كانت موسكو تؤمّن 52 في المئة من واردات الغاز الألمانية في 2021. وفي العام نفسه، حققت ألمانيا فائضاً تجارياً بلغ 173.3 مليار يورو. كانت تستورد الطاقة وتبيع منتجات صناعية عالية القيمة، مستفيدة من التكامل بين موارد روسيا وقاعدتها التصنيعية. وهذا ما جعل القطيعة مكلفة، إذ إنّ استبدال مورّد الغاز كان يتطلّب أيضاً تعديل البنية التحتية وشروط الشراء وحسابات الربحية داخل المصانع.
من الشراكة إلى القطيعة
بدأ التحوّل السياسي قبل الحرب بأيام. ففي 22 شباط/فبراير 2022، أوقفت برلين إجراءات اعتماد “نورد ستريم 2″، رداً على اعتراف موسكو باستقلال المنطقتين الانفصاليتين في شرق أوكرانيا. وبعد الحرب، انضمت إلى العقوبات وأعلنت تسليح كييف. وخلال الأشهر التالية، خفّضت روسيا التدفقات عبر “نورد ستريم 1” وصولاً إلى توقفها مطلع أيلول/سبتمبر. وهكذا، تعطّل مشروع توسيع الشراكة، ثم انقطعت الإمدادات عبر خطها القائم.
أصبح أمن الإمدادات أولوية في قرارات برلين. ففي خطاب التحوّل الاستراتيجي في 27 شباط، أعلن المستشار آنذاك أولاف شولتس تسريع بناء محطتين لاستقبال الغاز الطبيعي المسال. كان المطلوب تأمين بدائل عاجلة، فيما اضطرت الشركات إلى التعامل مع أسعار قفزت خلال أزمة 2022. وبلغ سعر الغاز بالجملة في ذروة موقتة أواخر آب/أغسطس نحو 4 أضعاف مستواه قبل الحرب، وفق وكالة الشبكات الاتحادية.
انتقلت الصدمة إلى الاقتصاد عبر مسارين؛ ارتفعت كلفة تشغيل المصانع، فتضرّرت ربحية الإنتاج، خصوصاً في الأنشطة كثيفة استهلاك الطاقة، وارتفعت فواتير الأسر والأسعار، فتراجعت قدرتها على الإنفاق. وقد ربط صندوق النقد الدولي صراحةً بين توقف الغاز الروسي وتسارع التضخم في 2022 و2023، وبين هذا التضخم وضعف الاستهلاك والنشاط الاقتصادي.
تجسّدت الخسارة الصناعية في مجموعة “باسف” الألمانية للصناعات الكيميائية، فقد تحمّلت زيادة في تكاليف الطاقة بلغت 3.2 مليارات يورو عالمياً في 2022، تركز نحو 84 في المئة منها في أوروبا. وفي 2023، أعلنت إغلاق أحد مصنعي الأمونيا في لودفيغسهافن ومنشآت أخرى، مع إعادة تنظيم الإنتاج لمواجهة ارتفاع الكلفة وضعف الطلب.
وفي 2024، عرضت “باسف” وحدات لإنتاج الأمونيا والميثانول والميلامين للبيع ونقلها من ألمانيا، بالتعاون مع شركة متخصصة تستهدف مشترين في مواقع يتوافر فيها الغاز بأسعار مجدية للإنتاج. فتأمين بدائل للغاز الروسي أبقى الإمدادات متاحة، لكنّه لم يضمن استمرار تشغيل المصانع بشروط تنافسية.
بحلول 2025، كان إنتاج الصناعات الألمانية كثيفة الاستهلاك للطاقة أقل بـ17.8 في المئة من مستواه في 2021، بحسب “ديستاتيس”. ويُظهر استمرار الفجوة بعد انحسار ذروة الأسعار أنّ الضرر تجاوز فاتورة استثنائية لعام واحد، فقرار إغلاق وحدة إنتاج أو نقلها قد يترك أثراً يستمر بعد هدوء السوق.
كلفة اقتصادية والتزامات عسكرية
تحمّلت الخزينة أيضاً جزءاً من الصدمة. ففي 2022، أقرّت الحكومة إطار دعم يصل إلى 200 مليار يورو لحماية المستهلكين والشركات من أسعار الطاقة، واستحوذت على 99 في المئة من “يونيبر”، أكبر مستورد ألماني للغاز الروسي آنذاك، بعدما دفعها انقطاع الإمدادات وارتفاع كلفة البدائل إلى أزمة مالية حادة. ويعبّر مبلغ الدعم عن السقف التمويلي المتاح، لا عن إنفاق تحقق بكامله.
بالتوازي، أعادت الحرب ترتيب الأولويات المالية. أعلن المستشار الألماني أولاف شولتس صندوقاً خاصاً بقيمة 100 مليار يورو لتحديث الجيش، إلى جانب زيادة الإنفاق الدفاعي، فأصبحت برلين مطالبة بتمويل إعادة التسلّح وحماية الاقتصاد من صدمة الطاقة معاً. وأضاف هذا التزاماً طويل الأجل إلى موازنة تواجه أصلاً احتياجات كبيرة لتحديث النقل والطاقة والبنية التحتية.
اقتصادياً، انكمش الناتج الحقيقي 0.9 في المئة في 2023 و0.5 في المئة في 2024، ثمّ نما 0.2 في المئة فقط في 2025. وأسهمت المنافسة الصينية والرسوم الأميركية وضعف الاستثمار الداخلي في إطالة الأزمة. جاءت هذه الضغوط فيما كانت الصناعة تتكيّف مع فقدان الإمدادات الروسية، فأصبح تعويض خسائرها أصعب.
وفي 2026، عاد النمو، ورفعت المعاهد الاقتصادية الرئيسية توقعها للعام إلى 1.3 في المئة في أيلول/سبتمبر. لكن صناعة الآلات تتوقع انكماش إنتاجها للعام الرابع توالياً. وتلخّص هذه الفجوة مأزق ألمانيا بعد الحرب، فهي تستطيع تنويع مصادر الطاقة ودعم الطلب بالإنفاق العام، لكن بقي استرداد الإنتاج الصناعي المفقود، مرهوناً بقدرتها على توفير شروط منافسة تعوّض ما خسرته مع القطيعة الروسية.