قرار إدارة الرئيس دونالد ترامب منح إعفاء لمدة 30 يوماً يسمح ببيع شحنات النفط الروسي العالقة في البحر يكشف جانباً مهماً من الطريقة التي تعمل بها الجيوسياسة الطاقوية في العالم.
الولايات المتحدة اختارت عملياً استقرار السوق على التشدد الكامل في تطبيق العقوبات ولو بشكل مؤقت. فمع تعطل حركة الشحن في مضيق هرمز نتيجة الحرب مع إيران، أصبح السوق النفطي مهدداً بصدمة عرض حادة. لذلك سمحت واشنطن ببيع الشحنات الروسية الموجودة أصلاً في البحر بهدف ضخ إمدادات إضافية بسرعة في السوق.
من الناحية العملية، يخدم هذا القرار ثلاثة أهداف رئيسية:
١/ منع صدمة في أسعار النفط.
يمر عبر مضيق هرمز نحو 20% من إمدادات النفط العالمية. ومع تراجع حركة الناقلات ارتفعت الأسعار بسرعة وتجاوزت 100 دولار للبرميل. السماح ببيع الشحنات الروسية الموجودة في البحر يخفف القلق الفوري من نقص الإمدادات.
٢/ شراء الوقت للأسواق كي تتكيف.
الإعفاء محدود زمنياً ومحصور بالشحنات التي تم تحميلها مسبقاً، ما يعني أنه إجراء سيولة للسوق النفطية وليس تراجعاً كاملاً عن سياسة العقوبات على روسيا.
٣/ احتواء التداعيات الاقتصادية للحرب.
فإذا انفلتت أسعار الطاقة، فإن آثار ذلك ستنتقل سريعاً إلى الاقتصاد العالمي عبر التضخم، وارتفاع كلفة النقل والشحن، وضغوط سياسية على الحكومات.
لكن هذه الخطوة تكشف أيضاً حقيقة أعمق:
في لحظات الصدمة الطاقوية الكبرى، تنحني الجيوسياسة أمام استقرار الأسواق. حتى دولة خاضعة للعقوبات مثل روسيا يمكن أن تصبح مورداً مفيداً مؤقتاً إذا كان البديل هو ارتفاع عالمي حاد في أسعار النفط.
بعبارة أخرى، عندما تهتز أسواق الطاقة، تصبح البراغماتية الاقتصادية أقوى من الانضباط السياسي في نظام العقوبات. وموضوع المدى الزمني هنا مهم جداً، لأن أسواق الطاقة تعمل على ثلاث مستويات زمنية مختلفة: قصيرة، متوسطة، وطويلة. وكل طبقة تحكمها عوامل مختلفة.
أولاً، المدى القصير: أسابيع إلى بضعة أشهر
الإعفاء الأميركي لمدة 30 يوماً هو في الأساس إجراء طارئ لإدارة صدمة السوق. في هذه المرحلة، الهدف ليس تغيير السياسات بل منع الذعر في السوق.
خلال أسابيع أو بضعة أشهر، يمكن أن نرى:
– تقلبات حادة في أسعار النفط بين الصعود والهبوط.
– تدخلات إضافية من الدول الكبرى (إفراج عن احتياطيات استراتيجية، إعفاءات مؤقتة، إعادة توجيه الشحنات).
– محاولة تعويض أي نقص عبر منتجين آخرين مثل السعودية أو الولايات المتحدة.
هذه المرحلة هي مرحلة إدارة الأزمة وليس حلها.
ثانياً، المدى المتوسط: عدة أشهر إلى سنة
إذا استمرت الحرب أو بقيت الملاحة في مضيق هرمز غير مستقرة، فالسوق سيدخل مرحلة إعادة ترتيب التدفقات النفطية العالمية. هنا قد نشهد:
– تحوّل طرق الشحن لتجنب مناطق الخطر.
– ارتفاع تكاليف التأمين والنقل البحري او قد تصل لدرجة إنسحاب شركات التأمين وإعادة التأمين من السوق نهائياً.
– زيادة الإنتاج من بعض الدول لتعويض النقص.
– عودة تدريجية للنفط الروسي إلى بعض الأسواق بطرق غير مباشرة (عبر وسطاء أو خصومات).
في هذه المرحلة قد تبقى الأسعار مرتفعة ومتقلبة، لكنها تصبح أقل صدمة لأن السوق يبدأ بالتكيف.
ثالثاً، المدى الطويل: عدة سنوات
إذا تحولت الأزمة إلى تحول جيوسياسي طويل الأمد، فإن التأثير يصبح هيكلياً. عندها قد نرى:
– تسارع الاستثمار في مصادر الطاقة البديلة.
– توسع إنتاج النفط والغاز خارج مناطق التوتر.
– إعادة رسم خريطة تجارة الطاقة العالمية (آسيا، روسيا، الشرق الأوسط، الولايات المتحدة).
بمعنى آخر، الصدمات الكبرى في الطاقة غالباً ما تؤدي بعد سنوات إلى نظام طاقة عالمي مختلف.
في خلاصة الكلام:
الأسابيع والأشهر: إدارة صدمة السوق ومنع الانفجار في الأسعار.
الأشهر إلى سنة: إعادة ترتيب تدفقات الطاقة العالمية.
السنوات: تحولات هيكلية في الجغرافيا السياسية للطاقة.
لكن العامل الحاسم في كل ذلك يبقى سؤالاً واحداً:
هل تبقى الحرب محدودة جغرافياً أم تتحول إلى صراع أوسع في الخليج؟ لأن مضيق هرمز تحديداً ليس مجرد ممر بحري، بل هو أحد أهم مفاتيح استقرار الاقتصاد العالمي.
* محمد فحيلي، خبير المخاطر المصرفية والباحث لدى كلية سليمان العليان لإدارة الأعمال(OSB) في الجامعة الأميركية في بيروت (AUB).